اليمن .. حين تُختزل الخيارات إلى كارثة
في لحظات الانهيار الكبرى، لا تُقاس الأزمات بعدد الضحايا فقط، بل بعدد الخيارات المتاحة أمام الناس.
وفي الحالة اليمنية، تبدو المأساة أعمق من مجرد حرب طويلة أو اقتصاد منهار؛ إنها أزمة خيارات، أو بالأدق، غياب الحلول.
اليمني اليوم لا يُمنح فرصة ليختار مستقبله، بل يُدفع دفعًا بين ثلاثة مسارات، لكل منها شعاره، ولكل منها داعموه، لكنها جميعًا تشترك في شيء واحد: أنها لا تُشبه الدولة التي يحلم بها المواطن، ولا تُنقذه من أزمته.
مشروع “الولاية” يقدّم نفسه كسلطة دينية مطلقة، تستمد شرعيتها من تفسير خاص للنص، وتفرض واقعًا سياسيًا مغلقًا.
ومشروع “الخلافة” يعيد إنتاج حلم عابر للحدود، يتجاهل تعقيدات الواقع الوطني، ويختزل الدولة في فكرة أيديولوجية.
أما “الإمارة”، فهي الوجه الأكثر تفككًا، حيث تتحول الجغرافيا إلى كانتونات، لكل منها حساباتها وتحالفاتها ومصالحها الضيقة.
ثلاثة مشاريع تبدو مختلفة في الشكل، لكنها تتقاطع في الجوهر: جميعها تنتمي إلى عباءة الإسلام السياسي، وجميعها تتغذى على غياب الدولة، وتزدهر في فراغها. وبينما تختلف الشعارات، تبقى النتيجة واحدة: مجتمع ممزق، ودولة غائبة، ومستقبل مؤجل.
المفارقة أن هذه المشاريع لا تُطرح كخيارات للنقاش، بل كحقائق تُفرض بقوة السلاح أو بدعم الخارج أو بضعف الداخل، وهنا تكمن الكارثة الحقيقية؛ حين يتحول المواطن من شريك في القرار إلى مجرد متلقٍ لنتائج صراعات لا يملك التأثير فيها.
اليمن لا يحتاج إلى مشروع رابع بقدر ما يحتاج إلى استعادة الفكرة الأولى: الدولة. دولة لا تقوم على ولاية السلالة، ولا على الحلم العابر للحدود، ولا على الانقسام الجغرافي، بل على المواطنة والقانون.
قد يبدو هذا الطرح بسيطًا، لكنه في الواقع الأكثر صعوبة، لأنه يتطلب ما هو مفقود: إرادة سياسية وطنية، ونخبة قادرة على تجاوز حساباتها الضيقة، ودعمًا إقليميًا يضع الاستقرار قبل النفوذ.
وليست المشكلة في تعدد المشاريع، بل في غياب المشروع الوطني الذي يُنقذ اليمني من الاختيار بينها. وحين يصبح أسوأ ما في الأزمة هو أنها تُقدّم نفسها كخيار وحيد، ندرك أننا أمام كارثة لا تُقاس فقط بما حدث، بل بما قد يحدث.