في ذكرى جامع الرئاسة: كيف بدأت الجمهورية تفقد توازنها؟

منذ 52 دقيقة
مشاركة الخبر:

لم يكن تفجير جامع دار الرئاسة في صنعاء، في الثالث من يونيو 2011، مجرد محاولة لاغتيال رئيس الجمهورية آنذاك علي عبدالله صالح. كان لحظة فاصلة انتقلت فيها الأزمة اليمنية من صراع سياسي محتدم إلى مرحلة أكثر خطورة، مرحلة كسر المحرمات وشرعنة العنف كوسيلة للوصول إلى السلطة.

في الدول الهشة، لا تبدأ الانهيارات الكبرى من جبهات القتال، بل من انهيار القواعد التي تضبط الخصومة السياسية. وما جرى في ذلك اليوم لم يكن استهدافاً لشخص بقدر ما كان استهدافاً لفكرة الدولة نفسها. فعندما يصبح الجامع ساحة لتصفية الحسابات السياسية، تصبح كل المؤسسات الأخرى قابلة للاستهداف لاحقاً.

قبل الحادثة، كان اليمن يعيش أزمة سياسية عميقة، لكن الدولة كانت لا تزال قائمة بمؤسساتها وتوازناتها التقليدية. أما بعدها، فقد دخلت البلاد مرحلة مختلفة تماماً. سقطت هيبة السلطة، وتراجعت الثقة بقدرة الدولة على حماية نفسها، فضلاً عن حماية مواطنيها. والأخطر أن الجريمة مرت دون محاسبة حقيقية، لتُبعث رسالة خطيرة مفادها أن العنف يمكن أن يحقق مكاسب سياسية أكبر من الحوار.

هنا تحديداً بدأت المشكلة الحقيقية. فالأنظمة لا تنهار عندما تتعرض للضغوط فقط، بل عندما يفقد اللاعبون السياسيون إيمانهم بقواعد اللعبة نفسها. وبعد تفجير الجامع، بدا أن كثيراً من القوى اليمنية انتقلت من التنافس على إدارة الدولة إلى التنافس على وراثة أنقاضها.

الخطأ الذي يتكرر في قراءة المشهد اليمني هو التعامل مع سقوط صنعاء بيد الحوثيين عام 2014 باعتباره حدثاً منفصلاً. الحقيقة أن الطريق إلى صنعاء لم يبدأ في عمران أو صعدة، بل بدأ عندما دخلت البلاد في دوامة الفوضى التي أعقبت أحداث 2011، وتحديداً بعد تفجير دار الرئاسة.

في تلك الفترة، انشغلت القوى السياسية بمكاسبها الآنية وصراعاتها الداخلية، بينما كانت جماعة الحوثي تبني نفوذها العسكري وتستثمر حالة الانقسام والفراغ. وعندما ضعفت الدولة وتآكلت مؤسساتها، لم تجد الجماعة صعوبة كبيرة في التقدم نحو العاصمة وإسقاطها.

بعد خمسة عشر عاماً تقريباً، لا تبدو ذكرى تفجير جامع النهدين مجرد حادثة أمنية عابرة في سجل الأزمة اليمنية، بل محطة مفصلية غيّرت مسار الدولة. فالسياسة التي تبدأ بإقصاء الخصوم بالقوة تنتهي غالباً بإقصاء الدولة نفسها. والتاريخ اليمني الحديث يقدم مثالاً واضحاً على أن الرصاص قد يسقط رجالاً، لكنه أحياناً يسقط أوطاناً بأكملها.

ذلك هو الدرس الذي ما زال اليمن يدفع ثمنه حتى اليوم. فالدول لا يحميها السلاح وحده، بل تحميها القواعد التي تمنع الخصوم من تحويل خلافاتهم إلى حروب مفتوحة. وعندما تُكسر تلك القواعد، يصبح الانهيار مسألة وقت لا أكثر.