قراءة في نص "دوران" للشاعرة المبدعة منى الصراف
" دوران "
لَمست أناملكَ أجنحتي
تَصَبّغتْ يدكَ بمسحوق ألواني
أجل صَغُرَ حجمي
تكَوّرَ جسدي
ذَبُلتْ روحي
فراشة .. لَنْ تَقتُلني
ولَنْ تَمنعني مِنٓ الطيران
حَلقتْ روحي بعيداً
لامَستْ وجه الشفق
وعادَ اليكِ الدوران
كُنْ أنتَ مَنْ تكون
كُنْ حجرًا
كُنْ خشبًا
كُنْ فأسا
فكَفُكَ بها ألواني !
لا أبتعد عن الحياد، رغم إعجابي الشديد بإنتاج الشاعرة الجميلة والمبدعة الأستاذة منى الصراف، عندما أصف هذا النص بأنه لوحة شعرية تعبيرية بالغة العذوبة والعمق.
تتجلى فيه قدرة الشاعرة على تحويل الألم الإنساني إلى طاقة انطلاق وتحرر، مستخدمةً رمزية "الفراشة" لتعكس رقة الذات في مواجهة قسوة الآخر.
تبدأ القصيدة بلمسة تبدو ناعمة، لكنها تترك أثرًا عميقًا: (تصبّغتْ يدكَ بمسحوق ألواني)، وهنا تفقد الفراشة شيئًا من ألوانها، وتصغر وتذبل، لكنها لا تموت. وهذا التحول من الانكسار الجسدي إلى التسامي الروحي يعكس قوة داخلية هائلة.
ثم ينتقل النص، ببراعة، من مرحلة الضعف والذبول إلى مرحلة التحدي: (لن تَقتُلني ولن تَمنعني من الطيران). فالشاعرة ترفض الاستسلام، وهو طبع أصيل في ابنة الكاظمية البغدادية، إذ تجعل من الطيران فعلَ تمرّدٍ مطلق.
وتختم الشاعرة بنبرة انتصار فلسفية قوية؛ فمهما حاول الآخر التماهي في قسوته، سواء كان حجرًا أو خشبًا أو فأسًا، فإن أثر الفراشة (الألوان) قد علق بكفّه تمامًا، كلعنةٍ تطارده، بينما حلّقت هي في فضاء الشفق البعيد، مثلها كذلك الكبيرة د. عاتكة الخزرجي، شاعرة الشفق.
إنه نص مكثف، غني بالصور البصرية، ويحمل طاقة تعبيرية تلامس وجدان القارئ وتترك فيه أثرًا لا يزول، تمامًا كمسحوق تلك الألوان.
*أستاذ القانون والنظم السياسية في جامعة الأخوين، إفران، المغرب.*