تغريدة واحدة تُغني عن وزارة" .. لماذا استقالت متحدثة ترامب لتطبخ المعكرونة؟

منذ 55 دقيقة
مشاركة الخبر:

أخيرًا، أدركت حسناء البيت الأبيض والمتحدثة باسم الرئاسة الأمريكية، كارولين ليفت، أن وظيفتها ليست أكثر من "قطعة ديكور" فاخرة في مبنى يُدار برأس واحد وهاتف ذكي، لذا قررت كارولين الاستقالة، حازمةً حقائبها لتتفرغ لتربية أطفالها، بعد أن اكتشفت متأخرةً أن المطبخ المنزلي ورائحة المعجنات أكثر منطقية بكثير من "مطبخ السياسة" في عهد دونالد ترامب.
وفي الحقيقة، لا يمكن لأحد أن يلومها؛ فما جدوى أن تكون متحدثًا رسميًا لرئيس يسبقك بالحديث، والشرح، والهجوم، والإقالة، عبر اثنتي عشرة تغريدة يوميًا قبل أن يجف حبر قهوتك الصباحية؟
حتى أنا أعتبر نفسي متابعًا جيدًا للسياسة الأمريكية، ولكن إلى حد لحظة كتابة هذا المقال لا أعرف أن مضيق هرمز هو الآن بيد من: أمريكا أم إيران؟ مثلما لا نجد أي جهة محايدة تبلغنا الخبر اليقين، بسبب كثرة وتناقض تغريدات الرئيس ترامب، فمثلًا مرة قال: غدًا سوف أزيل إيران من الخارطة، وفي الفجر غرد بأن المفاوضات مع الإيرانيين تسير بشكل جيد، ونحن الآن نتعامل مع قيادة إيرانية مختلفة!!!!
لقد ألغى ترامب عمليًا وظيفة "المتحدث الرسمي" دون أن يقطع قسيمة راتبها رسميًا. إنه الرئيس الذي لا يحتاج إلى منبر، لأن منبره جيبه الخلفي.
ففي هذا العهد الفريد، يستيقظ العالم ليرى ترامب وهو يرتدي قبعة رئيس الدولة، وسترة وزير الدفاع، وعباءة قاضي المحكمة العليا، وحقيبة محافظ البنك الفيدرالي، مستعرضًا مهاراته في إدارة شؤون الاقتصاد بلمسات سريعة على شاشته اللمسية.
إنه النهج "الترامبي" الفذ في الإدارة الأمريكية؛ مدرسة سياسية لم يسبقها أحد في التاريخ، ولن يجرؤ أحد على تقليدها من بعده. إنه باختصار: ترامب وكفى!
لقد أحدثت كلمات كارولين زلزالًا في صالونات النسوية بالعودة إلى المطبخ بكامل الإرادة!
هذا القرار المفاجئ لم يمر بسلام في صالونات الحركة النسوية "Feminism"، بل هبط عليها كالصدمة الكهرومغناطيسية التي شلّت منظومتها الفكرية. فبينما كانت الراديكاليات ينتظرن من أصغر متحدثة في تاريخ البيت الأبيض أن تقود معركة كسر "السقف الزجاجي" وتمكين المرأة في دهاليز الحكم الصارمة، فاجأتهن كارولين بالالتفاف نحو "السقف الخرساني" لمطبخ منزلها، معلنةً برغبتها الكاملة أن شؤون عائلتها أهم بكثير من شؤون الإمبراطورية الأمريكية.
لقد أصيبت النسويات بالذهول؛ كيف لامرأة وصلت إلى قمة الهرم السياسي أن تنسحب طواعية لتربية الأطفال، مفضّلةً وقار الأمومة على وقار الوقوف أمام صحفيي "السي إن إن" والـ"بي بي سي"؟ المفارقة الساخرة هنا هي أن كارولين مارست قمة "حريتها في الاختيار"، لكن خيارها الحر جاء ليرسل الناشطات إلى مصحات العلاج النفسي بعد أن حطّمت روايتهن حول المجد الوظيفي اللامتناهي.
عندما كان للبيت الأبيض هيبة.. وللكلام وقار
بينما تغادر كارولين قاعة المؤتمرات الصحفية لتبحث عن السكينة بين جدران بيتها، لا يسع المراقب إلا أن يلتفت بأسى إلى الوراء؛ إلى عهود خلت كان فيها مقام الرئاسة محاطًا بهالة من الوقار والرزانة الصارمة. في تلك الأيام، كانت الكلمة تخرج من البيت الأبيض بميزان جوهرجي. لنتذكر (جورج واشنطن) الذي كان صمته المهيب بحد ذاته عبارة عن استراتيجية حيّرت سفراء الدول، أو (أبراهام لينكولن) الذي كان العالم يرتجف لخطاباته المقتضبة والعميقة التي تعيد صياغة التاريخ، أو حتى فرانكلين روزفلت الذي كانت نبرة صوته الهادئة عبر الراديو تبث الرعب في قلوب الطغاة وتدير حربًا عالمية بوقار وهيبة عزّ نظيرها دون الحاجة لإشعارات فورية.
حينها كان الصمت الرئاسي بحد ذاته سياسة، والخطاب الرسمي طقسًا مقدسًا يعكس هيبة الدولة العظمى. أما اليوم، فقد تحولت هذه الهيبة التاريخية إلى ردود أفعال رقمية سريعة على الهواتف، وتلاشت رصانة الماضي لتفسح الفضاء لـ"عاصفة التغريد" اليومية التي جعلت من أعتى المناصب الحكومية مجرد حساب شخصي يبحث عن "إعادة التغريد".

*كاتب وأكاديمي من العراق