آسف يا وطن..!
هذا الشهر لم أستلم -وكثيرون أمثالي، سواء باللواء 35 مدرع أو تقريباً ببقية ألوية تعز- أي ريال، بحجة أن وزارة الدفاع لم تعتمد أسماء الذين كانوا يستلمون من الألوية مساعدات مقابل مرتباتهم التي صادرتها المليشيات الحوثية عندما غادروا وظائفهم والتحقوا بالشرعية بتعز تحديداً، ولستُ هنا معنياً بالآخرين بقدر ما أعني نفسي بهذا النداء الموجه للمعنيين، والاعتذار للوطن.
ففي الوقت الذي استلم فيه الأفراد والضباط رواتبهم بالريال السعودي، حُرِمْتُ أنا وأمثالي ممن كانوا يستلمون على هيئة معالجات شهرية.
أمعقولٌ أن يجازونا هكذا بعد ما يزيد على عشر سنوات ضحينا بها مع الشرعية من أجل استعادة الجمهورية والدولة وعاصمتها المحتلة؟
أمعقولٌ بعد عشر سنوات دربتُ فيها بمراكز اللواء 35 مدرع عند إعادة تأسيس اللواء، وألقيتُ عشرات المحاضرات التوعوية بالمراكز التدريبية وبالجبهات يوم لم يكن باللواء توجيه معنوي، وألّفتُ ثلاثة كتب للواء عن الشهيد محمد العوني، والشهيد فاروق الجعفري، والشهيد عدنان الحمادي، وكنت أغطي كل المعارك بكتابة المقالات التوثيقية والحماسية التي ترفع معنويات الأفراد، ناهيك عن تغطية أخبار الجبهات اليومية في وقت لم يكن فيه أي إعلام؟
وبعد أن شاركتُ بمعظم المعارك الحامية في جبهات الصلو الأبية، وركبتُ أهوالها ثابتاً لا ألتفت للوراء، ولن أنسى أزيز وصفير الرصاص حين كان يمر من فوقي وجانبي عندما كانت المليشيات تحاول استعادة منطقة الشرف التي حررها اللواء من تحت أيدي الحوثيين الذين سيطروا عليها لما يقارب العام ونصف العام بقيادة الشهيد عدنان الحمادي، وحينها كتبتُ مقالة بعنوان "مجانين العزف على زنادق البنادق"، ولقوة المقال والتأثير الذي أحدثه في نفوس أبطال الجبهة صرف لي القائد الشهيد عدنان الحمادي بندقية كلاشينكوف مع خطَّيْن ناريَّيْن، والمقال موجود بصفحات الفيسبوك وبموقع "المستقبل أونلاين" على الإنترنت.
وكثيراً ما زرتُ الجبهات وبيَّتُ فيها بين البرد القارس والحرارة الملتهبة، وبعضها كانت بتكليف من الشهيد بغرض التوعية أو حل ما يطرأ من مشاكل بين قيادات المجاميع أو مع بعض الأهالي.
وإنْ أنْسَ فلن أنسى أني أقمتُ في مخيم القائد الشهيد عدنان الحمادي ما يزيد على ثلاث سنوات مع مرافقيه داخل الخيام، نسينا خلالها نوم البيوت.
لقد تعرّض بعض أقاربي للاعتقال والسجن في مدينة الصالح لأكثر من ثلاث وأربع سنوات بتهم التخابر معي، وتشردت عائلتي من قريتنا في مديرية الصلو بسبب مضايقات المليشيات السلالية الإمامية، الأمر الذي حدا بي إلى تهريبها إلى بني حماد منذ ما يزيد على ثماني سنوات، ولم تستطع العودة حتى اليوم، وتعرّض داري بقريتي التي نزحت منها الأسرة للخراب والدمار بسبب هجره وتعرّضه للأمطار... إلخ.
علماً بأني ما أزال باللواء 35 مدرع، لكن بسبب الهدنة وتوقف المعارك والمواجهات مع المليشيات الحوثية، وعدم وجود الحاجة لبقائي بالجبهات، اضطررت إلى الاعتكاف بالبيت انتظاراً لحين اندلاع المعارك مع المليشيات، مثلي مثل عشرات الضباط، أولهم قائد اللواء نفسه الذي لا يزور الجبهات إلا بضع مرات في العام كأيام الأعياد الدينية، ومع ذلك استمر نضالي من خلال الكتابات بمختلف الصحف والمواقع الإلكترونية، وأغلبها كتابات ضد مشروع الحوثي، كتابات وطنية وسياسية؛ يكفي فقط أن يكتب رئيس المجلس الرئاسي الدكتور رشاد العليمي، وأعضاء المجلس الرئاسي، أو وزير الدفاع، أو قائد المنطقة الرابعة، وقيادات محور تعز، وقائد اللواء 35 مدرع، يكفي أن يكتبوا في جوجل اسم منصور السروري وسيجدون أن ما كتبته ويخدم الشرعية أكثر من مائة مقال، ويقارب كتاباً، ناهيك عن توثيق يوميات اللواء 35 مدرع التي يمكن أن تكون مجلداً ضخماً لا يستطيع أي لواء آخر بالجيش الوطني إصداره.
فهل يعقل بعد إضاعة العمر بالتدريس، إلى جانب كل ذلك الجهد العملي والفكري والثقافي والنضال الميداني والتضحية بالعمر والصحة والأسرة، أن أُكَرَّم من قبل هذا الوطن بالحرمان حتى من المساعدة الشهرية التي تعتبر مصدر الدخل الوحيد لإعالة أسرتي..؟
علماً بأني قمت وما أزال أقوم بكل ذلك وأنا أعاني من عدة أمراض تكلفني ما يقارب 100 ألف شهرياً، وسبق أن وُجِّهَت عدة دعوات من الأمين العام المساعد لاتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين وعدد من المثقفين والأدباء والمناضلين كمناشدات لرئاسة المجلس الرئاسي والجهات المعنية، وكذا أرسلتُ بملفٍ فيه وثائق تؤكد مرضي أكثر من مرة إلى رئيس المجلس الرئاسي، وما أزال أنتظر الرد منذ شهر شعبان الماضي، ويبدو أني سأنتظر كثيراً.
نعم، إني أعيش وأُدرِّسُ خمسة أبناء بمعجزة من خلال الأصدقاء الأوفياء والأقارب وبالديون ومساعدة اللواء 35 مدرع التي تبلغ 100 ألف ريال، و100 ألف ريال كانت تأتيني بشكل ثابت لمدة عامين من أحد الإعلاميين ثم توقفت قبل ثلاثة أشهر.
إذن... هل هكذا يكون التكريم والتقدير لي ولأمثالي..؟
بالله عليكم يا رئيس المجلس الرئاسي.. يا وزير الدفاع.. يا محافظ تعز.. يا قادة محور تعز.. يا قائد اللواء 35 مدرع.. ما الذي تبقى ولم أقدمه لهذا الوطن حتى تحموني من الإقدام على ما لا تُحمَدُ عقباه في حق نفسي وحق أسرتي..؟
هل النزاهة والشرف وعدم تسول الرتب أمام قيادات محور تعز جريمة ارتكبتُها حتى أُحرَم مع أفراد أسرتي من أبسط حقوقنا في الحياة..؟
هل كان ينبغي عليّ أن أكون انتهازياً، ومقايضاً وفقاً للقاعدة النفعية: "الرتبة مقابل النضال" أو "الرتبة مقابل الجهاد"؟ كالذين مُنِحوا رتباً عسكرية بين مقدم، أو رائد، أو نقيب، أو ملازم!
إن الغريب هنا - كما أكد لي أحد قيادات اللواء 35 مدرع أتحفظ على ذكر اسمه - أن الأحزاب رفعت بأسماء ومُنِحَت رتباً، ولم نَرَ لهم صورة أو نعرفهم، خاصة أصحابك (ويقصد الحزب الاشتراكي اليمني).
ومبعث استغرابي أنه لا يوجد اشتراكي في جبهات الحجرية إلا وهو يعرف أني كنت مستشاراً لقائد اللواء الشهيد الحمادي، فكيف رفعوا بكشف لا يوجد فيه اسمي؟
ورحم الله القائد الشهيد عدنان الحمادي الذي أصرّ على عدم منح المدنيين الذين التحقوا بالمقاومة الشعبية ثم اللواء 35 مدرع رتباً عسكرية، باستثناء اثنين هما المناضل فؤاد الشدادي وأبو العباس، وأما البقية فوعدهم أنه سوف يطالب لهم بترقيات كلٍّ في المؤسسة التي هو موظف فيها، ولكن بعد استشهاده تم خرق هذا الموقف وتَمّ منح رتب عسكرية للذي يسوى وما يسوى، وكنتُ واحداً من الضحايا الذين لا طالوا بلح الشام ولا عنب اليمن؛ أي لم نُمنَح في وظائفنا السابقة ما نستحق، ولا رُقِّمنا ومُنِحنا رتباً في الجيش، بل إننا خسرنا وظائفنا المدنية التي صادرتها المليشيات ومنحتها لعناصرها.
يا هؤلاء... بسبب مواقفي وتضحياتي التي لا تخفى إلا على من لا يعرفني أو جاهل أو حاقد أو انتهازي، لقد حُرِم ابني الكبير من مواصلة دراسته الجامعية وتركها قبل ثلاث سنوات، وحُرِمَت أخته الثانية، والحمد لله توفقتُ هذا العام بإلحاق البنت الثالثة بجامعة تعز بسبب دعم بعض الأصدقاء الأوفياء.
فيا هؤلاء... هلا أنبئتموني بالذي تبقى لم أقدمه لهذا الوطن حتى أقدمه...؟
لا أعتقد أن ما تبقى هو الإعلان بالصحف والمواقع الإلكترونية ووسائل التواصل الاجتماعي عن تحديد يوم للاعتصام أمام بوابة معسكر ومقر اللواء 35 مدرع، وبعدها الإضراب عن الطعام، وصولاً إلى إحراق أنفسنا كفاتورة أخيرة نقدمها قرباناً أخيراً لهذا الوطن.
ربما ذلك الذي لا أتمنى الإقدام عليه قد يكون هو المطلب الوحيد الذي بقي ولم أقدمه.
والله على ما أقول شهيد، وهو حسبنا ونعم الوكيل.