مجلس القيادة الرئاسي والحكومة الجديدة: بين اختبار الإنجاز واستحقاقات المرحلة

منذ ساعتين
مشاركة الخبر:

تمر اليمن ،اليوم، بمرحلة هي الأكثر تعقيداً في تاريخها الحديث، حيث تتداخل التحديات السياسية والعسكرية والاقتصادية والخدمية، لتفرض على القيادة والحكومة مسؤوليات استثنائية تتجاوز منطق إدارة الأزمات التقليدي. ومع التغييرات التي طالت مؤسسات الشرعية، برز مجلس القيادة الرئاسي كإطار جامع لتوحيد القرار، بينما جاءت التعديلات الحكومية الأخيرة كمحاولة لضخ دماء جديدة في الأداء التنفيذي. لكن السؤال الجوهري يظل: هل ارتقى المجلس والحكومة إلى مستوى التحديات؟ وهل تحولت هذه التغييرات إلى إنجازات ملموسة؟

أولاً: الحكومة الجديدة بين الطموح والواقع
في الظروف الاستثنائية ترتفع التوقعات الشعبية، خاصة في ظل حرب وجودية وانهيار اقتصادي غير مسبوق. ورغم وعود الإصلاح، فإن المواطن لا يقيس النجاح بالبرامج والخطط، بل بانعكاسها المباشر على وضعه المعيشي، من خلال استقرار سعر الصرف، وانتظام الرواتب، وتحسن خدمات الكهرباء.
ورغم جهود إعادة الهيكلة، ما تزال النتائج دون مستوى الطموح؛ إذ لا تزال أزمة الكهرباء قائمة، والرواتب تتأخر، والعملة تتعرض للتذبذب، فيما تواصل الأسعار ارتفاعها. فالنجاح الحقيقي يُقاس بقدرة الحكومة على تحقيق الاستقرار الاقتصادي وتقديم حلول عملية ومستدامة.

ثانياً: الملف العسكري – حجر الزاوية لاستعادة الدولة
لا يمكن استعادة الدولة في ظل تعدد مراكز القوة واستمرار الانقسام الأمني والعسكري. وتمثل اللجنة العسكرية العليا خطوة في الاتجاه الصحيح، لكنها تظل غير كافية ما لم تُترجم إلى إجراءات عملية وفاعلة على الأرض.
إن توحيد القوات المسلحة مشروع وطني متكامل يحتاج إلى إرادة سياسية حاسمة وتوافق حقيقي بين مختلف المكونات. وأي تقدم في هذا المسار يبدأ من بناء مؤسسة عسكرية محترفة ذات عقيدة وطنية وولاء للدستور والقانون، لا للأشخاص أو الأحزاب أو المناطق.

ثالثاً: الأمن والاستقرار – إنجاز يحتاج إلى ترسيخ
شهدت عدن والمحافظات الجنوبية تحسناً أمنياً ملحوظاً، إلا أن هذا التحسن سيظل هشاً ما لم يُدعّم بإصلاحات مؤسسية عميقة تشمل تطوير الأداء الأمني، وتفعيل القضاء المستقل، وتطبيق القانون على الجميع دون استثناء.
فالاستقرار الحقيقي يتحقق عندما يثق المواطن بقدرة الدولة على حماية حقوقه وصون حرياته، لا عبر أدوات القمع أو الإجراءات المؤقتة. كما أن المرحلة المقبلة تتطلب عملاً مؤسسياً مستداماً يرسخ الأمن كحالة دائمة لا كإجراء ظرفي.

رابعاً: الملف الخدمي والدعم السعودي – من الإنقاذ إلى الاستدامة
أسهم الدعم السعودي في الحد من الانهيار الاقتصادي وتخفيف الضغوط الخدمية، من خلال تمويل عدد من المشاريع وتقديم الدعم للاقتصاد الوطني. غير أن المرحلة الحالية تتطلب الانتقال من المعالجات الإسعافية إلى المشاريع التنموية المستدامة.
فالمواطن يبحث عن كهرباء مستقرة، ومياه، ورواتب منتظمة، وفرص عمل حقيقية، وليس عن حلول مؤقتة. ومن هنا تبرز مسؤولية الحكومة في تحويل الدعم إلى استثمارات تنموية منتجة، بعيداً عن التعقيدات البيروقراطية ومواطن الهدر.

خامساً: السلام مع الحوثيين – ضرورة وطنية تستند إلى المرجعيات
إن الحرب التي فُرضت على اليمنيين ليست خياراً دائماً، والحل السياسي الشامل يظل ضرورة وطنية لا غنى عنها. غير أن السلام الحقيقي لا يتحقق إلا بمعالجة جذور الصراع وضمان عدم تكرار أسبابه مستقبلاً.
ويواجه مجلس القيادة الرئاسي تحدياً مصيرياً يتمثل في الموازنة بين الانفتاح على الحلول السياسية والحفاظ على ثوابت الدولة ومرجعياتها الدستورية والقانونية. فأي تسوية لا تؤدي إلى بناء دولة قوية ومؤسسات فاعلة ستكون معرضة للانهيار، كما أن فرض الأمر الواقع بالقوة لا يمكن أن ينتج استقراراً دائماً. والمطلوب هو سلام عادل يرسخ الدولة ويحفظ سيادتها ويمنع تجدد الصراع.

سادساً: التغيير السياسي الأخير – فرصة لا تُعوّض
التغيير بحد ذاته ليس إنجازاً، بل وسيلة لتحقيق الإنجاز. ونجاحه مرهون بقدرته على إنتاج أداء مختلف ونتائج ملموسة.
فالمرحلة الراهنة لا تحتاج إلى مجرد استبدال أشخاص بآخرين، وإنما إلى تغيير في منهج الإدارة يقوم على الشفافية والمساءلة وربط المسؤولية بالنتائج، وجعل الكفاءة معياراً أساسياً للاستمرار في المناصب. فكل تأخير في تنفيذ الإصلاحات يوسع الفجوة بين الدولة والمجتمع ويحوّل آمال التغيير إلى حالة جديدة من الإحباط.

فما المطلوب للخروج من دوامة الأزمات اليمنية المتنامية؟
إن الخروج من الواقع الراهن يتطلب مشروعاً وطنياً شاملاً يستند إلى:
1- توحيد القوات المسلحة والأمنية.
2- تعزيز مؤسسات الدولة وترسيخ سيادة القانون.
3- مكافحة الفساد وترشيد الإنفاق العام.
4- تنفيذ إصلاحات اقتصادية عاجلة وفاعلة.
5- إعطاء الأولوية للخدمات الأساسية، وفي مقدمتها الكهرباء والمياه والصحة والتعليم.
6- تعزيز الشراكة الوطنية بين مختلف المكونات.
7- تحويل الدعم الإقليمي إلى استثمارات تنموية مستدامة.
8- الدفع نحو سلام دائم وعادل يحفظ الدولة وسيادتها، استناداً إلى المرجعيات والقرارات الدولية ذات الصلة.

وخلاصة القول، يقف مجلس القيادة الرئاسي والحكومة أمام اختبار تاريخي لا يقبل التأجيل. فاليمنيون لم يعودوا يبحثون عن الخطابات الرنانة أو الوعود المتكررة، بل عن نتائج حقيقية وملموسة على أرض الواقع تعيد إليهم الثقة بوطنهم ودولتهم المنشودة.

وبين الفرص والتحديات، تبقى الإرادة الصادقة والكفاءة والقرار الموحد مفاتيح العبور من مرحلة إدارة الأزمات إلى مرحلة بناء الدولة، ومن الصراع إلى السلام والتنمية. فالتاريخ لا يسجل كثرة القرارات، بل يخلد من استطاع تحويل المحن إلى فرص، ونقل الأوطان من الفوضى إلى الاستقرار والازدهار.

*أكاديمي ومحلل سياسي يمني-
جامعة تعز