حين تنتصر الثورة... ويهزمها الانتقام

منذ ساعة
مشاركة الخبر:

تثور الشعوب العربية على أنظمتها مطالبة بالحرية والعدالة ودولة القانون، لكن ما إن تصل المعارضة إلى السلطة باسم الثورة حتى تعيد إنتاج جميع الممارسات البشعة التي ثارت ضدها، وإن اختلفت الأدوات والشعارات، فبدلاً من ترسيخ احتكار العنف وإنفاذ القانون بيد الدولة، يصبح الثأر والانتقام فعلاً مبرراً في نظر الكثيرين، بصمت وأحياناً بمباركة من سلطة الثورة الحاكمة.

في قضية الطبيبة السورية وزوجها، لا أرى أن النقاش الأهم يجب أن ينحصر في مدى تورطهما، من عدمه، في انتهاكات مباشرة أو غير مباشرة مما جرى في سوريا، فحتى لو وجدت اتهامات جدية بحقهما، فإن المعيار الذي يميز الدولة عن الجماعات المسلحة هو الاحتكام إلى القانون والإجراءات القضائية العادلة، عبر القنوات القانونية والدبلوماسية بين البلدين، وهذا ما كان يفترض أن تقوم به السلطات السورية، لا التحريض ولا التصفيات العابرة للحدود على طريقة داعش.

الأخطر من الجريمة نفسها هو الاحتفاء بها أو تبريرها،والمؤسف أن بعض من يقدمون أنفسهم كمثقفين يمنيين تعاملوا مع الحادثة بروح التشفي لا بروح الدفاع عن القانون، وهذا تحديداً ما أوصل مجتمعاتنا إلى ما هي عليه اليوم، إذ لا يمكن بناء دولة القانون بعقلية الانتقام، ولا يمكن إدانة العنف حين يمارسه الخصوم، ثم الاحتفاء به حين يقع على من نختلف معهم.

كان من المفترض أن يدين الجميع الجريمة التي وقعت على أرضنا، وأن يرفضوا تحول بلادنا إلى ساحة لتصفية الحسابات، بل كان الأجدر أن يثير ما حدث قلقنا جميعاً، لا سيما وأن الجريمة نُفذت على يد أحد أفراد الأجهزة الأمنية، وهو ما يعكس خللاً بنيوياً عميقاً داخل المؤسستين الأمنية والعسكرية، ويطرح تساؤلات جدية حول مدى ترسخ العقيدة الوطنية وولاء الأفراد للدولة ومؤسساتها، ونحن شعب يكتوي منذ سنوات بجرائم المليشيات المسلحة والانفلات الأمني، ويفتقد وجود الدولة الفاعلة منذ أكثر من عشر سنوات، يفترض أن نكون الأكثر حساسية تجاه مثل هذه الوقائع، والأشد تمسكاً بسيادة القانون واحتكار الدولة وحدها لاستخدام القوة.

عمرها الدولة ما بنيت بالتشفي، ولا العدالة تحققت بالثأر، ومن يبرر تجاوز القانون اليوم لأنه يستهدف خصومه، لن يجد من يحميه غداً عندما يصبح هو نفسه ضحية للتجاوز ذاته