هل ينهار الإعلام اليمني أخلاقيًا ومهنيًا أم سقط في فخ التفاهات؟

منذ ساعة
مشاركة الخبر:

لا أدري ماذا أصاب الإعلاميين اليمنيين في الفترة الأخيرة، ولا أعرف كيف استطاع بعضهم أن يبتعدوا عن جوهر رسالتهم حتى أصبحوا غرباء عن هموم الناس وآلامهم، فقلبوا موازين الإعلام واتجهوا إلى منحى آخر بعيد تمامًا عن رسالة الإعلام المتمثلة في تناول قضايا الواقع المنهار والانتصار للقضايا المهمة. لم نعد نجد إلا إعلاميين كل همهم المهاترات والمناكفات، ناهيك عن لغة السب والإهانات، وأحيانًا الألفاظ البذيئة التي تصدر منهم تجاه الناس لأتفه الأسباب، والتنمر بشكل مخزٍ على الآخرين.

فهل هذه هي رسالة الإعلام؟ وهل انتهت القضايا في بلادنا حتى يحيدوا إلى هذا الشكل المرعب؟

قضايا واقعنا المنهار شائكة، ومآلات الحرب خلال أحد عشر عامًا مرعبة، وقد انهارت بسببها البلاد. وكان من المفترض أن يكون الإعلام والإعلاميون في مقدمة الصفوف، يصرخون باسم الجائعين، ويفضحون الفاسدين، ويلاحقون أسباب الانهيار. لكن ماذا حدث؟ كان العكس تمامًا.

تحولت الكثير من المنصات الإعلامية إلى حلبات صراع شخصي، وانشغل كثير من الإعلاميين بمعارك تافهة لا علاقة لها بمصالح الناس ولا بقضايا الوطن، ولم تعد الأولوية للكشف عن الفساد، ولا لمناقشة الانهيار الاقتصادي، ولا لمتابعة معاناة المواطنين، بل أصبحت الأولوية  للاهانات وتبادل الاتهامات والبحث عن خصوم جدد كل صباح ومساء.

وبالإضافة إلى ذلك، انحدرت لغة بعض الإعلاميين إلى القاع، ووصلت إلى مستويات صادمة تمثلت في الشتائم والسخرية والتنمر وألفاظ لا تليق بالمجالس العامة، فكيف بمن يحمل صفة إعلامي؟ وكأن البعض قرر أن يهدم بيده ما تبقى من هيبة هذه المهنة النبيلة.

فمن الذي أقنع هؤلاء أن الإساءة بطولة؟ ومن الذي أوهمهم أن ارتفاع عدد المتابعين أهم من احترام عقول الناس؟ ومن الذي جعل بعضهم يعتقد أن الشتيمة رأي، وأن التنمر نقد، وأن التشهير عمل إعلامي؟

من المعيب جدًا أن نجد البعض قد جعل الإعلام مجرد استعراض عضلات على مواقع التواصل الاجتماعي، ومنافسة مخزية على من يطلق السب والسخرية الأكثر وقاحة. فالإعلام رسالة أخلاقية قبل أن يكون مهنة، ومسؤولية وطنية قبل أن يكون وسيلة للشهرة، وهذا ما نفتقده اليوم للأسف الشديد.

قضايانا كثيرة ومتشعبة، وتحتاج إلى ألف صحفي وألف كاميرا وألف قلم. لدينا فساد يلتهم الدولة، وخدمات منهارة، وتعليم يحتضر، وصحة تتراجع، ومواطنون يبحثون عن أبسط حقوقهم. لكن بعض الإعلاميين تركوا كل ذلك، وقرروا الانشغال بملاحقة بعضهم بعضًا في مشهد مخزٍ يدعو إلى الخجل.

سيبقى الإعلام الحقيقي هو الذي يقف مع الناس لا فوقهم، ويبحث عن الحقيقة لا عن الإثارة، ويصنع الوعي لا الفتن. أما أولئك الذين استبدلوا الرسالة بالمهاترات، والقضايا الوطنية بالخصومات الشخصية، فلن يتركوا خلفهم سوى ضجيج عابر، بينما ستبقى معاناة الناس شاهدة على غيابهم وتقصيرهم.

فمتى يترك الإعلاميون كل هذه التفاهات والمهاترات ولغة الإساءة والإهانات، ويتجهون إلى مهامهم الحقيقية في نصرة المظلومين والبؤساء في هذا الوطن المنكوب، قبل أن يتحولوا إلى نكبة أخرى تهدم وتدمر، وتهدد ما تبقى من ثقة الناس بالإعلام؟