لماذا محافظة إب؟ .. قراءة أولية في أسباب تصاعد الاعتقالات الحوثية بمحافظة إب
أصبحت محافظة إب خلال السنوات الأخيرة واحدة من أكثر المحافظات اليمنية التي تشهد حملات اعتقال واختطاف واستهداف للكوادر الأكاديمية والشخصيات الاجتماعية والناشطين المدنيين. ولم يعد الأمر يقتصر على حالات فردية متفرقة، بل بات يمثل ظاهرة سياسية وأمنية تستدعي تفسيراً أعمق من الروايات التقليدية التي تبرر هذه الإجراءات باعتبارات أمنية أو استخباراتية.
والسؤال الذي يفرض نفسه هنا هو: لماذا إب تحديداً؟
أولاً: إب ليست معقلاً حوثياً تقليدياً
على خلاف محافظات مثل صعدة وعمران وبعض أجزاء ذمار، لا تُعد محافظة إب امتداداً طبيعياً للبيئة الفكرية والسياسية التي انطلقت منها مليشيا الحوثي.
فالمحافظة تتميز بكثافة سكانية عالية، وانتشار واسع للتعليم، وحضور قوي للنخب الأكاديمية والمدنية والتجارية، إضافة إلى وجود إرث جمهوري ووطني راسخ تشكل عبر عقود من التفاعل السياسي والاجتماعي.
ومن ثم، فإن السيطرة على إب لا تتحقق بالولاء العقائدي بقدر ما تتحقق عبر أدوات الضبط الأمني والقمع السياسي.
ثانياً: استهداف النخب المستقلة
تكشف طبيعة المعتقلين في إب أن الاستهداف لا يتركز على الخصوم العسكريين بقدر ما يتركز على النخب المؤثرة مجتمعياً.
فالقائمة تشمل:
- أكاديميين وأساتذة جامعات.
- تربويين ومديري مدارس.
- أطباء ومهنيين.
- أئمة وخطباء مساجد.
- ناشطين اجتماعيين وإعلاميين.
- شخصيات قبلية ومجتمعية ذات تأثير محلي.
إن استهداف هذه الفئات لا يمكن فهمه إلا في إطار السعي إلى تفكيك مراكز التأثير المستقلة ومنع تشكل أي قيادة اجتماعية أو فكرية خارج المنظومة الحوثية.
وتندرج قضية الدكتور عبده يحيى الجابري وغيره من المعتقلين ضمن هذا السياق، باعتباره شخصية أكاديمية ذات حضور وتأثير مجتمعي.
ثالثاً: إب مركز للهوية الجمهورية
تختلف إب عن كثير من مناطق سيطرة الحوثيين في أن المزاج الشعبي فيها ظل مرتبطاً بالهوية الوطنية والجمهورية أكثر من ارتباطه بالمشروع السلالي أو العقائدي.
ولهذا لا يُنظر إلى المناسبات الوطنية، وعلى رأسها ذكرى ثورة 26 سبتمبر، بوصفها مناسبات احتفالية فحسب، بل باعتبارها مؤشراً على حجم الرفض الشعبي للمشروع الحوثي.
ومن هنا يمكن تفسير تزايد الاعتقالات والإجراءات الأمنية خلال هذه المناسبات باعتبارها محاولة استباقية لمنع أي تعبير سياسي أو شعبي مستقل.
رابعاً: اقتصاد الحرب والهيمنة على الموارد
لا تنفصل الاعتقالات عن البعد الاقتصادي.
ففي بيئات الصراع الطويل تصبح السيطرة الأمنية وسيلة لإعادة توزيع النفوذ والثروة.
وتشير تقارير حقوقية ومحلية متعددة إلى تزايد النزاعات المرتبطة بالأراضي والممتلكات في إب، وهي ظاهرة ترتبط في كثير من الأحيان بضعف الحماية القانونية للمواطنين في ظل هيمنة الأجهزة الأمنية والجماعات المسلحة.
وبذلك يصبح الخوف والاعتقال وسيلتين لإخضاع المجتمع وتعزيز السيطرة على الموارد المحلية.
خامساً: إب مقارنة ببقية مناطق سيطرة الحوثيين
عند المقارنة بين إب وبقية المحافظات الخاضعة لسيطرة مليشيا الحوثي، تظهر فروق مهمة:
**صعدة:**
تمثل المركز العقائدي والسياسي للمليشيا، ولذلك تعتمد السيطرة فيها بدرجة أكبر على الولاء التاريخي والاجتماعي.
**عمران:**
تتمتع بترابط قبلي وسياسي أعمق مع البنية التقليدية للمليشيا مقارنة بإب.
**صنعاء:**
تمثل مركز السلطة والإدارة، ولذلك تتركز فيها الرقابة السياسية والأمنية على النخب والمؤسسات الرسمية والإعلامية.
**الحديدة:**
تركز المليشيا فيها على الاعتبارات العسكرية والاقتصادية المرتبطة بالموانئ وخطوط الإمداد، إضافة إلى إطلالتها على البحر الأحمر وما يمثله من أهمية استراتيجية للملاحة الدولية.
ومن خلال هذه المقارنة، تبدو محافظة إب التحدي الاجتماعي والسياسي الأكثر تعقيداً بالنسبة لمليشيا الحوثي؛ فهي ليست مركزاً عقائدياً للجماعة، وليست جبهة حرب مفتوحة، كما أنها لا تمتلك حاضنة شعبية واسعة للمشروع الحوثي، بل تمثل فضاءً مدنياً واسعاً يصعب إخضاعه عبر أدوات الولاء الأيديولوجي، الأمر الذي يدفع نحو الاعتماد المكثف على أدوات الاعتقال والردع الأمني.
سادساً: لماذا تزداد الاعتقالات كلما هدأت الجبهات؟
تشير التجارب في مناطق النزاع إلى أن الأنظمة والجماعات المسلحة كثيراً ما تنقل جهودها من المواجهة العسكرية إلى الضبط الداخلي عندما تنخفض حدة المعارك.
وفي حالة إب، يبدو أن تراجع الضغوط العسكرية الخارجية ترافق مع تصاعد الضغوط الأمنية الداخلية، بحيث أصبحت المحافظة ساحة لإدارة المخاوف السياسية والاجتماعية أكثر من كونها ساحة لمواجهة عسكرية.
الخلاصة
إن كثافة الاعتقالات في محافظة إب لا تعكس بالضرورة قوة القبضة الحوثية بقدر ما تعكس حجم القلق من البيئة الاجتماعية والسياسية للمحافظة.
فإب تمثل بالنسبة لمليشيا الحوثي مجتمعاً مدنياً واسعاً، ونخبة تعليمية مؤثرة، وهوية جمهورية متجذرة، واقتصاداً محلياً مستقلاً نسبياً عن البنية العقائدية للمليشيا.
ولهذا أصبحت المحافظة نموذجاً مصغراً للصراع بين مشروع يسعى إلى فرض الهيمنة الأمنية والعقائدية، ومجتمع ما يزال يحتفظ بدرجة من الاستقلال الاجتماعي والفكري.
ومن هذا المنظور، فإن استمرار حملات الاعتقال ضد الأكاديميين والناشطين والشخصيات الاجتماعية في إب يمكن فهمه باعتباره محاولة لإدارة هذا التحدي الداخلي أكثر من كونه استجابة لمخاطر أمنية مباشرة.
*أكاديمي ومحلل سياسي يمني – جامعة تعز