قبائل اليمن.. الانتفاضة بين مقصلة الكهنوت وعجز الشرعية
من قلب الركام، ومن عمق الوجع الذي يعتصر جسد الوطن المنهك، ينهض اليمانيون مجدداً ليرسموا بدمائهم وأقدامهم السائرة نحو معاقل الكرامة خارطة طريق جديدة، متجاوزين بها حسابات الساسة وتخاذل النخب. إن التدافع المهيب لأبناء القبائل الأحرار من مختلف محافظات الجمهورية صوب الجوف الأبية ليس مجرد حشد عسكري أو مناورة عابرة، بل هو زلزال شعبي هادر، واستفتاء بالدم والنار يعلن فيه شعبنا العظيم شوقه الجارف للحرية والانعتاق من قيود الذل والهوان. هذا التدفق القبلي الهائل يحمل في طياته رسالة مزدوجة بالغة القسوة والوضوح، رسالة صاغتها سواعد الرجال الذين ضاقوا ذرعاً بجرائم الكهنوت السلالي، وضجروا في الوقت ذاته من فساد شرعية عقيمة لم تعد تقوى على حمل لواء النصر أو صون هيبة الدولة.
لقد بلغ السيل الزبى، ولم يعد الصمت ممكناً أمام مغتصبي صنعاء الذين أمعنوا في إذلال شعب حضاري عريق، فمليشيا الحوثي الإرهابية لم تترك موبقة إلا واقترفتها، من نهب لقوت اليتامى والمساكين عبر جبايات جائرة، إلى ممارسات التعسف والقهر الجاثم على الصدور، وصولاً إلى الاختطافات والاعتقالات التي طالت كل صوت حر يرفض الخنوع لفكرهم الضلالي السلالي الكهنوتي المقيت. هذا الفكر الدخيل الذي يحاول تزييف هوية اليمن وتجريف تاريخه واجه اليوم جداراً صلباً من الرفض الشعبي العارم، فالشعب اليمني، بكل فئاته وقبائله، يعلنها مدوية بأنه على أتم الاستعداد للانتفاضة الشاملة واجتثاث هذه النبتة الشيطانية الإجرامية من جذورها، شريطة أن تلوح في الأفق قيادة حقيقية صادقة، تمتلك الإرادة الوطنية الخالصة والقرار السيادي المستقل، قيادة تضع الخلاص من هذا البلاء الحوثي كهدف أسمى لا يقبل المساومة أو المتاجرة.
وفي المقابل، يقف المواطن اليمني بمرارة وأسى أمام مشهد "الشرعية" المهترئة التي استمرأت العجز والارتهان، فباتت عاجزة عن استعادة قرارها أو بسط سيادتها، وفشلت فشلاً ذريعاً في إدارة معركة المصير أو إدارة شؤون المناطق المحررة. إن الفساد المستشري في أروقتها وتصارع أجنحتها فوّت على اليمنيين فرصاً تاريخية للحسم، وترك المواطن وحيداً في مواجهة تدهور كارثي طال كل مناحي الحياة؛ فاقتصادياً انهار العملة وتهاوى المستوى المعيشي إلى قاع سحيق، وأمنياً وسياسياً سادت الفوضى وغاب الاستقرار، حتى غدت الشرعية عائقاً أمام النصر لا رافعة له. أمام هذا الخذلان المزدوج من كهنوت باج ومسؤول عاجز، تحركت دماء القبائل الحرة، مدفوعةً بالبحث عن بصيص أمل يصنعه الأحرار بأيديهم، ليعيدوا لليمن كرامته المستباحة ووطنه السليب، مؤكدين أن إرادة الشعوب الحية لا تموت، وأن فجر الخلاص سيشرق حتماً من فوهات بنادق الشرفاء في الميادين، لا من قاعات الفنادق وصالونات السياسة المائعة