شرعية التشتت.. حين تصبح "البندقية المعارة" أثمن أسلحة الانقلاب
ثمة مرارة شفافة تفيض من أعين الناس حين ينظرون إلى هذه المأساة الطويلة؛ مرارة الأمهات اللائي ينتظرن في المخيمات عودة يمن يُشبه أحلامهن، وآباء فُجعوا بأبناء ذهبوا إلى خطوط النار بشجاعة فرسان العصور القديمة، لكنهم سقطوا في منتصف الطريق ليس لقلة بأسهم، بل لأن البوصلة السياسية التي تُوجه رؤوس بنادقهم تبدو متكسرة وموزعة على موائد الحسابات الضيقة.
يتأمل المرء مشهد التصعيد الحوثي الارهابي الأخير، فلا يملك إلا أن يتساءل بأسى: كيف يُطلب من مجتمع أُنهك حتى النخاع أن يثق بمعركة تُدار بأيدٍ متعددة وقلب يتوزعه الشتات؟
القضية هنا لا تكمن مطلقاً في عدالة نضال شعب يسعى لاستعادة أدنى حقوقه الإنسانية ودولته المغتصبة، ولا في جسارة المقاتل الذي يواجه مشروعاً عقائدياً سلالياً متطرفاً يعتاش على الدماء والدعاوى المظلمة، بل في هذا الهوان الاستراتيجي الذي يستبد بمعسكر الشرعية ويهدر دماء خيرة أبنائه.
إن أبلغ ما يخدم الجماعة الانقلابية ويمد في بعثها المليشياوي ليس قوتها التكتيكية ولا ترسانتها المهربة، بل هذا العجز الفاضح لمجلس القيادة الرئاسي عن بلورة قرار عسكري موحد؛ فالقوات المناهضة للانقلاب، رغم ضخامتها وعديدها، تظل شظايا موزعة بين ولايات أمراء الحرب وتشكيلات تتبع أسماء وأشخاصاً في الرئاسة بدلاً من أن تنصاع لمؤسسة سيادية واحدة.
إن هزيمة الخطر العقائدي وتخليص الإنسان اليمني من نير هذه الفوضى الإنسانية والأخلاقية لا يتحققان عبر بيانات شجب جوفاء ولا من خلال اتصالات بروتوكولية دافئة تُجرى عقب كل كارثة؛ فالمعارك التاريخية الحتمية تُحسم بدولة صلبة تملك جيشاً نظامياً موحداً وقراراً يرتفع فوق الخصومات والارتهانات.
إن الدموع التي تسكبها العائلات كل يوم على وجع اليمن المكلوم تفرض مساراً واحداً لا يدعو للرفاهية أو التسويف السياساتي، وهو صهر كافة هذه البنادق في بوثقة وزارة دفاع فاعلة وقيادة وطنية جامعة؛ إذ إن استمرار شتات السلاح وتعدد الولاءات لن يظل سوى طوق نجاة متجدد يُهدى للانقلابيين، ليغدو الاستمرار في التبشر باستعادة صنعاء مجرد وهم مسكن، وأمنيات عاطفية تجرح كبرياء هذا الوطن المظلوم ولا تستر عورات العجز العسكري.