مطارح الريان .. اختبار تاريخي للقبيلة اليمنية
تمثل مطارح الريان بمحافظة الجوف محطة مفصلية في مسار القبيلة اليمنية، واختبارًا حقيقيًا لقدرتها على استعادة دورها التاريخي ومكانتها الوطنية، بعد سنوات من التهميش والإخضاع التي تعرضت لها منذ انقلاب مليشيا الحوثي.
فمنذ سيطرتها على مؤسسات الدولة، أدركت المليشيا أهمية القبيلة باعتبارها إحدى أهم ركائز المجتمع اليمني، فسعت إلى تطويعها لخدمة مشروعها السياسي والطائفي. ولتحقيق ذلك، عملت على تفكيك المنظومة القبلية التقليدية، والسيطرة على قرارها، واستبدال عدد من مشائخها ووجهائها بقيادات موالية لها، إلى جانب فرض المشرفين التابعين لها على المناطق القبلية ومؤسسات الدولة، حتى أصبح المشرف الحوثي صاحب النفوذ والقرار، متجاوزًا سلطة القبيلة والجهات الرسمية.
ولم يقتصر الأمر على السيطرة على القرار القبلي، بل امتد إلى ممارسة مختلف أشكال الإذلال والإهانة بحق المشائخ والوجهاء، وتصاعدت الانتهاكات بحق القبائل اليمنية بصورة غير مسبوقة، حيث وثقت تقارير حقوقية نحو 1937 انتهاكًا بحق القبائل اليمنية ومشائخها وزعمائها ووجهائها، كان آخرها ما تعرض له الشيخ حمد بن فدغم الدهمي، في حادثة أعادت إلى الواجهة حجم الانتهاكات التي تطال القبيلة ورموزها.
وفي المقابل، جاءت دعوة الشيخ حمد بن فدغم الدهمي إلى النكف القبلي لتوقظ حالة من التفاعل الواسع بين القبائل اليمنية، التي توافدت بأعداد كبيرة إلى مطارح الريان بمحافظة الجوف، في مشهد عكس وحدة الصف واستعادة روح التضامن القبلي، مما أوجد حالة من القلق والرعب لدى مليشيا الحوثي التي اعتادت تفكيك المواقف القبلية وإضعافها.
لقد أعاد هذا الحضور اللافت الأمل لدى كثير من اليمنيين، ورسخ قناعة بأن القبيلة لا تزال قادرة على استعادة دورها الوطني متى ما توحدت إرادتها، كما أعاد الاعتبار لمكانتها التاريخية، وفتح نافذة أمل لاستعادة الكرامة ومواجهة المشاريع القائمة على السلالة والطائفية والعنصرية.
ومع ذلك، فإن ما يجري في مطارح الريان يضع القبيلة اليمنية أمام اختبار بالغ الصعوبة، في ظل تصاعد جهود الوساطات والضغوط الداخلية والخارجية، وهو ما يجعلها أمام خيارين لا ثالث لهما: إما الصمود والثبات على موقفها حتى تحقيق أهدافها والدفاع عن كرامتها، وإما القبول بتسويات تُفرغ تحركها من مضمونه، وتبدد الزخم الشعبي الذي حظيت به، وتنهي مكانتها في المجتمع.
فالرهان الحقيقي لا يكمن في حجم الحشود ولا في عدد المطارح، وإنما في قدرة القبيلة على الحفاظ على وحدتها، والثبات على أهدافها، وإنجاز ما خرجت من أجله. فالعبرة ليست ببداية المواقف، وإنما بخواتيمها، وهي وحدها التي ستحدد ما إذا كانت مطارح الريان ستسجل محطة تاريخية في استعادة دور القبيلة، أم ستكون فرصة أخرى تضاف إلى سجل الفرص الضائعة.