الاقتصاد اليمني في مواجهة "الاقتصاد الخفي".. كيف أضرت عمليات غسيل الأموال بالواقع المعيشي؟
في الوقت الذي يصارع فيه الاقتصاد اليمني للبقاء وسط تداعيات النزاع المستمر، يبرز "الاقتصاد الخفي" - وتحديداً عمليات غسيل الأموال - كأحد أخطر التحديات التي تقوض استقرار العملة الوطنية، وتفاقم الأعباء على المواطن البسيط، وتخلق تشوهات بنيوية يصعب معالجتها في الأمد القريب.
ماهية الظاهرة وتغلغلها
لا تقتصر عمليات غسيل الأموال في السياق اليمني على الصورة النمطية لتهريب الأموال عبر الحدود، بل تتجاوزها إلى آليات داخلية معقدة، في ظل غياب الرقابة المالية الصارمة وضعف المؤسسات المصرفية.
وقد تحولت بعض القطاعات إلى ملاذات لتمرير الأموال غير المشروعة، الناتجة غالباً عن أنشطة مثل تجارة الممنوعات، والجبايات غير القانونية، واستغلال النفوذ خلال سنوات الحرب.
الآثار المباشرة على المواطن اليمني
إذكاء التضخم:
عندما يتم ضخ كميات كبيرة من الأموال السائلة غير المشروعة في السوق عبر قطاعات مثل العقارات أو تجارة التجزئة، ترتفع الأسعار بصورة لا تتناسب مع القدرة الشرائية للمواطن، ما يجعل الحصول على السلع الأساسية أكثر صعوبة.
انهيار العملة:
تسهم عمليات المضاربة بالعملات الأجنبية، التي قد تُستخدم كوسيلة لغسل الأموال، في استنزاف الاحتياطي النقدي وخلق طلب غير حقيقي على العملات الصعبة، الأمر الذي يؤدي إلى تراجع قيمة الريال اليمني.
إعاقة الاستثمار الحقيقي:
تسيطر الأموال المغسولة على قطاعات استثمارية سريعة الدوران، مثل العقارات التجارية، ما يؤدي إلى تضخم أسعار الأصول وطرد المستثمرين الحقيقيين الذين لا يستطيعون منافسة "أموال الظل".
أمثلة ومؤشرات على الأرض
رغم صعوبة تتبع هذه الأموال بسبب سرية التعاملات، تشير تقديرات وملاحظات خبراء اقتصاديين ومراقبين إلى عدد من المسارات التي قد تُستغل في تمرير الأموال غير المشروعة:
قطاع العقارات والبناء:
شهدت بعض المدن الكبرى، مثل صنعاء وعدن، ارتفاعاً ملحوظاً في أسعار الأراضي والعقارات رغم حالة الركود الاقتصادي، ويربط مراقبون ذلك جزئياً بمحاولات تحويل السيولة مجهولة المصدر إلى أصول ثابتة يصعب تعقبها.
سوق الصرافة غير المرخص:
انتشرت شبكات صرافة تعمل خارج نطاق الرقابة الرسمية، ما يفتح المجال لاستخدامها في تحويل أموال كبيرة بين المحافظات أو إلى الخارج تحت غطاء الحوالات المالية، بما قد يخدم عمليات تمويه مصادر الأموال.
تجارة السلع الأساسية:
توجد مؤشرات على دخول أموال مجهولة المصدر في بعض عمليات الاستيراد، ما يسمح لبعض التجار بالمنافسة بأساليب غير عادلة عبر بيع السلع بهوامش منخفضة، وهو ما يضر بصغار التجار الذين لا يملكون هذه الإمكانات.
الخاتمة: الحاجة إلى إصلاحات جذرية
لا يمثل غسيل الأموال في اليمن مجرد "جريمة مالية"، بل أصبح عاملاً يهدد النسيج الاقتصادي والاجتماعي، ويزيد من تعقيد الأزمة المعيشية.
وتتطلب مواجهة هذا الخطر اتخاذ خطوات جادة، أبرزها:
- تفعيل دور وحدة جمع المعلومات المالية وتعزيز استقلاليتها.
- فرض رقابة صارمة على قطاع الصرافة وربطه تقنياً بالبنك المركزي.
- تعزيز الشفافية في التعاملات المالية الكبرى، خصوصاً في قطاعات العقارات والمناقصات العامة.
ومن دون إجراءات حقيقية لمحاصرة هذه الأموال، سيظل الاقتصاد اليمني عرضة لدورات متكررة من التضخم والتراجع، بما يفاقم معاناة الفئات الأكثر ضعفاً في المجتمع.