الفلسفة المثالية.. والواقع المادي

منذ ساعتين
مشاركة الخبر:

كانت، ولا تزال، وستظل المثالية والإيجابية فكرة عظيمة تراود المفكرين والفلاسفة على مر التاريخ، وقد وضعوا الكثير من النظريات والأفكار في هذا المجال، وكانت تراودهم الآمال والأماني في بناء مجتمعات بشرية فاضلة وراقية، يسود فيها العدل والمساواة والمدنية والتعايش الراقي والسلمي، ويحكمها النظام والقانون، وتختفي فيها كل مظاهر الظلم والتظالم والوحشية والعنف والاستبداد. وكانت كل أفكارهم ونظرياتهم تستدعي الجانب الخيّر والمثالي في الإنسان (سقراط وأفلاطون وأرسطو وكونفوشيوس أنموذجًا). وكذلك الحال بالنسبة للأديان السماوية، فقد جاءت تحمل في طياتها الكثير من التشريعات والأحكام التي تدعو إلى المثالية والإيجابية في التعاملات والعلاقات والتفاعلات البشرية، وتنشد الخير والصلاح والسعادة لجميع البشر في الدنيا، والفوز والفلاح في الآخرة (الدين الإسلامي أنموذجًا). لكنها اصطدمت جميعها أمام الواقع المادي الذي تتحكم فيه وتسيطر عليه غرائز الإنسان وشهواته المادية، والتي تدفعه إلى ارتكاب السلبيات بشكل مفرط، في مسعى منه للاستحواذ على المقدرات والموارد التي تجود بها الأرض، والاستفراد بالسلطة والقرار، والتحكم بحياة الآخرين ومصيرهم، لإشباع حاجاته وغرائزه وشهواته ونزواته، دون مراعاة لحاجات الآخرين وحقوقهم وحرياتهم..!!

وفي مقابل المدرسة المثالية والإيجابية، ظهرت المدرسة الواقعية والمادية التي تمجد القوة وتعظم المادة، وتشجع على الهيمنة والسيطرة والاستفراد بالسلطة، لتتحول حياة البشر إلى حلبة من الصراع المتواصل والمستمر في سبيل الحصول على المادة والقوة، اللتين أصبحتا معيارًا للتميز والأفضلية، وطريقًا للحصول على المزيد من الإشباع الغريزي والشهواني. ونتج عن ذلك الكثير من صور المآسي والمعاناة التي تجرعتها المجتمعات البشرية، ولا تزال وستظل، طالما أن أفكار المدرسة الواقعية والمادية هي السائدة والفاعلة في العلاقات والتعاملات والتفاعلات البشرية. وإذا كانت الأفكار والنظريات المثالية والإيجابية تهدف إلى ضبط وتنظيم غرائز الإنسان وشهواته وحاجاته وفق نظام معين، فإن أفكار ونظريات المدرسة الواقعية والمادية قد أطلقت العنان للإنسان لإشباع حاجاته وشهواته وغرائزه بكل الطرق والوسائل الممكنة، سواء كانت مشروعة أم غير مشروعة..!!

وهناك الكثير من البشر، في كل زمان ومكان، يسعون إلى تقمص دور المصلحين والواعظين والدعاة إلى المثالية والإيجابية والخيرية، رغم أنهم في الواقع بعيدون كل البعد عن تلك القيم العظيمة، وليس هناك ما هو أسوأ من ذلك. فهذه العينات من البشر قد شوهت القيم المثالية والإيجابية، وجعلتها محط سخرية وشك وريبة، نتيجة استغلالها السلبي لها لتحقيق مصالح مادية ونفعية. وأي تكلف، من أي نوع كان، للتظاهر بالمثالية والإيجابية يفقدها جمالها وبريقها وجوهرها، ويشوه معالمها. وأجمل ما في القيم المثالية والإيجابية عفويتها، والمبادرة الذاتية إليها دون انتظار جزاء أو شكور من أحد، والتمسك بها كمنهج حياة في السر والعلن. وتحقيق ذلك يحتاج إلى ضمير إنساني حي، وعقيدة دينية وسطية ومتوازنة. وكل البشر يسعون إلى الظهور بمظهر المثالية والإيجابية، لكن هناك عدة عوامل تحول دون ذلك، من أهمها التنشئة والتربية السلبية القائمة على التعبئة الدينية والأيديولوجية المتطرفة والمتشددة والمتعصبة، والبيئة العدائية المحيطة نتيجة الحروب والصراعات، والظروف الاجتماعية القاسية، والعوز والفقر والحاجة والحرمان والظلم والتمييز العنصري، وغيرها، والتي تصنع أجيالًا تنزع إلى العدائية تجاه الآخر الديني والمذهبي والطائفي والعرقي، وتمجد ثقافة العنف والقوة والحروب والصراعات..!!

وأروع صور المثالية والإيجابية هي حب الخير للآخرين، والنظرة المتساوية إلى جميع البشر بوصفهم إخوة في الإنسانية، والحفاظ على حقوقهم وحرياتهم، واحترام التعدد والتنوع الفكري والديني والثقافي، باعتباره سنة إلهية في هذا الكون لا يمكن تغييرها أو تحويلها، واستخدام الحوار والحكمة والموعظة الحسنة والقدوة الحسنة وسائل إيجابية للتأثير في الآخرين وتغيير قناعاتهم، وحتى معتقداتهم، بعيدًا عن لغة العنف والإكراه والإجبار والاضطهاد والاستبداد. ومن المعيب أن نطالب الآخرين، سواء كانوا أفرادًا أو مجتمعات أو دولًا أو حضارات، بالمثالية في تعاملهم معنا، ونحن بعيدون كل البعد عن المثالية والإيجابية في تعاملنا مع بعضنا البعض، في نطاقنا الأسري والمجتمعي والحضاري. فمن يطالب الآخرين بالمثالية والإيجابية، عليه أن يكون قدوة ونموذجًا رائدًا في المثالية والإيجابية في علاقاته وتعاملاته مع الآخرين. وأول خطوة لولوج طريق المثالية والإيجابية تتمثل في الشعور والإحساس بالآخرين، وأن ترضى لهم ما ترضاه لنفسك، وتكره لهم ما تكره لنفسك.