النظرة الشخصية للأحداث والقضايا من حولنا
نادرًا ما تجد تطابقًا تامًا لوجهات النظر البشرية حول الأحداث والقضايا والمستجدات في الحياة، فكل إنسان يقرأ الحدث أو القضية بالطريقة التي تتناسب مع هوى نفسه، ومع خلفيته الفكرية والثقافية، ومع ما يلبي مصالحه ويحقق رغباته بطبيعة الحال.
فالإنسان، مثله مثل بقية المخلوقات، يجعل من تحقيق رغباته وإشباع نزواته وشهواته الهدف الأول في الحياة من الناحية البيولوجية، لكنه يختلف عنها من الناحية الفكرية والوجدانية بما ميزه الله تعالى به من عقل وقدرة على التفكير والتمييز بين الإيجابي والسلبي، وبين النافع والضار، وبين الخير والشر.
وبدون شك، هناك تأثير واضح لحاجات الإنسان البيولوجية على تفكيره وقدراته العقلية، وهو ما يدفعه لارتكاب بعض الأفعال السلبية والعدوانية، أو يجعله ينحاز للمواقف السلبية والعدوانية تجاه مختلف القضايا والمواقف، حتى لو كانت تلك المواقف تتعارض مع العقل والمنطق.
فالحاجات والغرائز البيولوجية لها تأثير واضح على العقل والتفكير، فبعض الحاجات والغرائز قد تدفع بالإنسان لارتكاب الجرائم والمحرمات، وبعضها قد تجعله ينحاز للباطل والشر والعدائية، وبعضها قد تجعله يبرر الانتهاكات والجرائم في حق الآخرين.
ومن أجل ذلك جاءت الأديان السماوية لهدف سامٍ وعظيم، وهو محاولة ضبط حاجات الإنسان وغرائزه ونزواته وفق نظام معين يحقق له تلك الرغبات والشهوات بطريقة منظمة ومقننة..!!
بحيث لا يُحرم الإنسان من تلبية شهواته ورغباته، ولا يُسرف فيها بشكل يتسبب في الإضرار بصحته والإضرار بالآخرين، ويظل التعاطي مع تلك التشريعات السماوية نسبيًا يختلف من شخص إلى آخر.
بل إن بعض البشر، وبطريقة ما، لا يترددون في تفسير تلك التشريعات والأحكام بطريقة بعيدة كل البعد عن جوهرها وهدفها، ليس لشيء إلا تلبيةً لإشباع حاجاتهم وشهواتهم وغرائزهم بغطاء ديني.
والشاهد من كل ما سبق أنه إذا تم ضبط حاجات الإنسان وشهواته البيولوجية يمكن ضبط قراراته ومواقفه تجاه مختلف القضايا والمواقف والأحداث.
فالإنسان عندما يفكر ويقرأ ما يدور حوله بطريقة عقلية وحيادية وموضوعية يكون أقرب إلى الحقيقة، لذلك من الخطأ الاستعجال في اتخاذ المواقف وإصدار الأحكام تجاه الأحداث والمستجدات قبل الاطلاع عليها من كل الزوايا، وقبل الاستماع إلى كل من لهم علاقة وحضور وشهود عيان من مختلف الأطراف.
لأن الكثير من الناس يسعون إلى إثبات وجهات نظرهم حول موضوع ما، حتى لو تطلب الأمر استخدام وسائل التزييف والتضليل والخداع، وحتى لو تسبب ذلك في ضياع الحق والحقيقة، وحتى لو نتج عن ذلك الكثير من الظلم والبهتان للآخرين..!!
ويظل الاستعجال في اتخاذ المواقف وإصدار الأحكام تجاه مختلف القضايا من صفات البشر، ومواقف الناس المختلفة هي من تحدد حالتهم النفسية والمعنوية والعاطفية.
فكل إناء بما فيه ينضح، فقد ترى مواقف كل من تربطهم قرابة بأطراف القضية وهم يقرأون الموقف من منظار عاطفي وأسري، ويسعى كل منهم لإيجاد الأعذار والمبررات والأسباب التي تبرئ ساحة أقربائهم (البعد العاطفي).
وقد ترى المتعصبين والمتطرفين الدينيين وهم يصدرون صكوك الغفران وصكوك التكفير هنا وهناك (البعد الديني).
وقد ترى المعقدين نفسيًا وهم يسقطون عقدهم النفسية على أطراف القضية محل النقاش (البعد النفسي).
وقد ترى من لديهم ارتباطات مصالح أو منافع وهم يفندون الموقف بما ينسجم مع مصالحهم وغاياتهم (البعد المادي).
وقد ترى القيادات السياسية والحزبية والسلطوية وهم يقرأون الموقف بما يتجاوب مع توجهاتهم السياسية والحزبية والسلطوية (البعد السياسي).
وهكذا.. لذلك يتم قراءة الموقف أو الحدث قراءات كثيرة ومتعددة ومتنوعة ومتباينة..!!
لذلك من الخطأ الفادح والجسيم الاستعجال في اتخاذ المواقف وإصدار الأحكام في مختلف الأحداث والقضايا التي يواجهها الإنسان في كل وقت وحين.
فالنظرة الشخصية تظل قاصرة ومحدودة بحدود المعلومات القليلة التي يمتلكها الإنسان حول مختلف القضايا والأحداث، حتى في النيابات والمحاكم لا يستطيع القاضي أو المسؤول اتخاذ موقف أو إصدار حكم قبل جمع كل الاستدلالات والقرائن وأقوال الشهود حول القضية.
وكلما تجمعت الاستدلالات والمعلومات والشهادات، كلما تكشفت خيوط القضية، فكيف الحال بمن ينصب نفسه قاضيًا وحاكمًا وشاهدًا ويصدر الأحكام الشخصية على قضايا وأحداث لا يزال يلفها الكثير من الغموض والملابسات.
(قضية آل النجار في صهبان منطقة السياني في إب أنموذجًا).
فالاستعجال في اتخاذ المواقف وإصدار الأحكام في هكذا مواقف وقضايا لا يخدم العدالة، وقد يساهم في توجيه القضية بعيدًا عن مسارها الصحيح، وقد يشكل ضغطًا كبيرًا على الأجهزة الأمنية والضبطية، وقد يتسبب في ضياع الحقوق وانحراف العدالة عن مجراها الصحيح.
وقضية بهذا الحجم الأفضل التريث في الحديث حولها حتى يتم جمع الاستدلالات والشهادات والقرائن، لكي ينأى الإنسان بنفسه عن المشاركة في ظلم أحد دون علم.
خلاصة القول: لا داعي للفضول في مثل هذه القضايا الجنائية، وترك العدالة تجري مجراها.