فن إدارة الأزمات..!!
إن حلَّ المشاكل والأزمات، سواء على المستوى الفردي أو الجمعي أو الحكومي أو المؤسسي، وإيجاد الحلول المناسبة لها، ليس بالأمر السهل، بل إنه يحتاج إلى الكثير من الذكاء والخبرة والمعرفة والبحث والدراسة والحكمة والسياسة، وهو ما يُعرف بفن إدارة الأزمات وحلحلتها بأقل التكاليف والخسائر الممكنة. فالحياة ليست أكثر من مشاكل مترابطة ومتواصلة ومتشابكة، وما إن يخرج الفرد أو المجتمع أو المسؤول من أزمة حتى يدخل في أخرى، وهذه سنة الحياة. والأزمة أو المشكلة، مهما كانت صغيرة وتافهة، إذا لم تتم معالجتها بالعقل والحكمة والسياسة والعدل والإنصاف، فإنها تتوسع وتكبر، وفي بعض الأحيان قد تخرج عن السيطرة، وقد تكون لها عواقب وخيمة. والعكس صحيح، فمهما كانت المشكلة أو الأزمة كبيرة، إذا تمت مواجهتها بالعقل والحكمة والعدل، فإنها تتلاشى وتنتهي بأقل الخسائر الممكنة.
من أجل ذلك تهتم الحكومات الرشيدة بتشكيل هيئات أو مؤسسات أو غرف عمليات أو مجالس، مهمتها إدارة الأزمات ودراستها وتفكيكها بهدف إيجاد أفضل الحلول وأقصر الطرق لمعالجتها. وللنجاح في ذلك يتم اختيار النخبة من العلماء والمفكرين والخبراء في مختلف المجالات والتخصصات، وأمام كل مشكلة أو أزمة تتعرض لها البلاد، يقوم هؤلاء بقراءة الموقف من جميع الجوانب والزوايا، وصولًا إلى وضع مصفوفات من الحلول، ودراسة كل تلك الحلول، وتحديد إيجابياتها وسلبياتها، وفي الأخير يتم اختيار الحل المناسب والأفضل، الذي سوف يحقق أفضل النتائج الممكنة، وصولًا إلى الخروج من تلك الأزمة بأقل الخسائر الممكنة..!!
هكذا تدير الحكومات الرشيدة والمسؤولة أزماتها ومشاكلها بالعقل والعلم والحكمة والخبرة، بما يخدم المصالح العليا للوطن ويحافظ على حقوق وحريات المواطنين. ولا يمكن لهذه الحكومات أن تتنصل من مسؤولياتها وواجباتها تجاه شعوبها، فالمسؤولون فيها يمتلكون من الشجاعة السياسية والأدبية والأخلاقية ما يجعلهم يعترفون بتقصيرهم وأخطائهم، ويقدمون اعتذارهم بكل وضوح وشفافية. فلا مكان للتكبر والغرور والعناد في قاموس هذه الحكومات، فترى المسؤولين عن ذلك الفشل أو الإخفاق أو الخلل وهم يقدمون استقالاتهم طواعية، وهنا تتجلى الشجاعة والمصداقية في أبهى صورها. بعكس الحال عند حكومات ومسؤولي الدول الاستبدادية والمتخلفة، الذين لا يعترفون، من حيث المبدأ، بأخطائهم وممارساتهم وسياساتهم وقراراتهم السلبية، في حالة تعكس إصرارهم على الخطأ والفشل بدوافع التكبر والغرور والعنجهية والعناد، دون أي اعتبار للنتائج الكارثية المترتبة على سياساتهم وقراراتهم الارتجالية والمزاجية في مواجهة الأزمات والمشاكل، وهو ما يزيد الطين بلة..!!
وهناك فرق شاسع بين إدارة الأزمات بالأهواء والنزوات والعلاقات، وإدارتها بالعقل والحكمة والسياسة والموضوعية والحيادية. ففي الحالة الأولى يكون الهدف هو إرضاء غرور النفس وإشباع نزواتها والانتصار الشخصي لها، بغض النظر عن النتائج السلبية المترتبة على ذلك، أما في الحالة الثانية فيكون الهدف هو إيجاد الحل المناسب والانتصار للحق وللمصلحة العامة. وهنا يتجلى بوضوح الفرق الكبير بين السلطة ذات النزعة الفردية في الحكم، وبين السلطة ذات النزعة الجماعية في الحكم. ففي الأولى تكون مصلحة الفرد الحاكم والموالين له مقدمة على غيرها من المصالح، حتى ولو تعارضت مع المصلحة العامة والمصالح العليا للوطن، وفي الثانية تكون المصلحة العامة والمصالح العليا للوطن مقدمة على كل المصالح.
كما أن معالجة ومواجهة الأزمات في كل زمان ومكان تتوقف على نوعية المستشارين المحيطين بصاحب القرار، فإذا كانوا من ذوي الخبرة والحكمة والدراية، ومن مختلف التخصصات العلمية والفكرية، ويتمتعون بالمصداقية والموضوعية والعقلانية، فإن ذلك يساهم بشكل إيجابي في حل الأزمات ومعالجتها بأقل الخسائر الممكنة، والعكس صحيح. وبذلك فإن الفرد أو الجماعة أو السلطة، في كل زمان ومكان، بحاجة ماسة إلى فن إدارة الأزمات والمشاكل، لأنه إذا لم تتم معالجة أزمات ومشاكل الحياة الكثيرة والمتنوعة بفن وحكمة وعقلانية، فإن تلك الأزمات والمشاكل سوف تستفحل وتتعاظم دون شك.
وتظل المبادرة والسرعة والاعتراف بالخطأ والامتثال للحق من أهم العوامل التي تساهم في لملمة ولفلفة الأزمات ومعالجتها وحلها بأقل الخسائر الممكنة، ويظل العناد والغرور والتكبر واللجوء إلى القوة والعنف والإكراه من أهم العوامل التي تساهم في استفحال وتفاقم الأزمات والمشاكل، وتساهم في تعقيدها وتأخير حلها..!!
فالأزمات تولد من رحم مواقف ومتغيرات الحياة اليومية، فإذا تم حلها بسرعة تبددت وتلاشت، وإذا تم إهمالها وتأخير حلها نمت وكبرت وتوسعت وتعاظمت وتشعبت، ليصبح من الصعوبة بمكان حلها والسيطرة عليها. ويظل التأجيل والتسويف والمماطلة والتلاعب من أهم العوامل التي تؤدي إلى تفاقم واستفحال الأزمات والقضايا والمشاكل، ويظل الاحتكام إلى الشرع والقانون والعقل والحكمة من أفضل الطرق لحل الأزمات والمشاكل بمختلف أنواعها، وخصوصًا الحقوقية والمطلبية منها، ففي ذلك إقناع لجميع الأطراف وإغلاق لكل أبواب الفتن والأزمات.
والقضايا، وخصوصًا العادلة منها، لا يمكن أن تموت أو تتلاشى مهما حاولت الأطراف الأخرى طمسها وإخفاءها، فهي تظل كالجمر تحت الرماد، في حالة توهج وتوقد مستمر، وتظل أفضل وسيلة لإطفائها والتخلص من تبعاتها السلبية هي المبادرة إلى حلها في أسرع وقت ممكن حلًا عادلًا وشاملًا. من أجل ذلك يظل العدل، ثم العدل، ثم العدل، هو الطريق الأفضل والأقرب لمعالجة كل الأزمات والمشاكل الحقوقية على كل المستويات الفردية والجماعية والسلطوية..!!