يوميات الخوف ..اجهاض الأمل!!
لم يعد الخوف في مدينتنا شعوراً عابراً، بل أصبح نمط حياة، تماماً مثل رغيف الخبز الذي نكافح للحصول عليه، أو الكهرباء التي ننتظر عودتها كمعجزة. في هذه الحلقة من "يوميات الخوف"، لا أتحدث عن خطوط المواجهة العسكرية فحسب، بل عن "خط المواجهة اليومي" الذي تعيشه العائلات اليمنية، حيث يقرر طرف واحد -مليشيا الحوثي- أن يسرق منا أي شعور بالاستقرار، ليس لشيء، إلا لتبقى طبول الحرب هي الصوت الوحيد المسموع.
استيقاظ على وقع "اللا سلام"
صباح هذا اليوم، استيقظ الناس على أنباء تحشيد جديد. كلما لاح في الأفق حديث عن "هدنة" أو "تفاهمات"، كان الرد المباشر والميداني هو مزيد من المتاريس. يسألني جاري العجوز، وهو يراقب حركة السيارات المحدودة في الشارع: "هل سنفرح غداً؟"، أجيبه بصمتٍ هو أبلغ من أي كلام، فكيف نفرح والقرار ليس في أيدينا؟
إن مليشيا الحوثي تتقن فن "إجهاض الأمل". فبينما كان الجميع يترقب انفراجة في الرواتب أو تحسناً في الخدمات، تفاجئنا المليشيا بقرارات تصعيدية، وأزمات مفتعلة، وكأنها تقول لنا: "الهدوء ليس من أجندتنا".
شهادة من وسط الركام
يقول سالم أحمد، وهو موظف حكومي يعيش معاناة انقطاع الدخل:"نحن لا نعيش حرباً فقط، نحن نعيش استنزافاً لأرواحنا. في الصباح، يخبروننا عن محادثات سلام، وفي المساء، نسمع دوي التصعيد. إنهم يمارسون علينا لعبة 'القط والفأر'، حيث يتم تحويل كل مكسب إنساني إلى وسيلة ضغط عسكري. لقد فقدنا الثقة في كل توقيع وكل بند، لأننا أدركنا أن الطرف الآخر يرى في السلام 'انتحاراً' لمشروعه القائم على البندقية".
الخوف.. هو الحقيقة الوحيدة
في يومياتنا، الخوف ليس من الموت فقط؛ فالخوف الأكبر هو من "المجهول". المليشيا تزرع هذا الخوف في كل زاوية، من خلال سيطرتها على الموارد، وتكميم الأفواه، وتغيير المناهج التعليمية، وفرض الإتاوات. إنهم لا يريدوننا أن نعيش، بل يريدوننا أن "نبقى" فقط لخدمة حروبهم. كلما اقتربت الحلول السلمية، زاد التوتر، وكأن هناك "غرف عمليات" وظيفتها الأساسية هي منع السلام من أن يولد.
هل هناك مخرج؟
أكتب هذه السطور وقلبي يعتصر ألماً، ليس يأساً، بل إدراكاً لحجم التحدي. إن استمرار هذا النهج التصعيدي يعني أننا سنظل رهائن المليشيا تراهن على الوقت، وعلى إنهاك الناس، وعلى أن المجتمع سينكسر في النهاية.
لكن، رغم كل شيء، تظل الحقيقة ثابتة: السلام ليس منحة من أحد، بل هو حق أصيل يرفضه تجار الحرب الذين لا يقتاتون إلا على الخوف. اليوم، وبينما تغرب الشمس على مدينة تعبت من الانتظار، لا نملك إلا أن نرفع أصواتنا: كفى عبثاً بمصائرنا.
رسالة إلى القارئ:
هذه الحلقة ليست مجرد مقال، بل هي صرخة من قلب الواقع. في المرة القادمة، سأحاول نقل المزيد من القصص التي تروي كيف يمكن للصمود المجتمعي أن يكون الرد الحقيقي على استراتيجية "التصعيد المتعمد".