اليمن والإخوان .. قصة النخر من الداخل

منذ ساعة
مشاركة الخبر:

تاريخ اليمن الحديث مليء بالمنعطفات والآلام، لكن الفاحص الذكي لمسار الأزمات المتعاقبة يجد خيطًا رفيعًا، متجذرًا وعصيًا على الانقطاع، يربط بين معظم الكوارث التي حلت بهذا البلد السعيد، وهو تنظيم الإخوان المسلمين بفرعه اليمني المتمثل في حزب الإصلاح. فمنذ أن وطئت أقدام هذا التنظيم أرض اليمن، والبلاد تنتقل من نكبة إلى أخرى، في متتالية هندسية من الأزمات السياسية والعسكرية والاقتصادية التي لا تنتهي، حيث قدم التنظيم نموذجًا فريدًا في الانتهازية السياسية التي لا تعرف عهدًا ولا ميثاقًا. وتؤكد الدفاتر التاريخية المفتوحة أن الإمامة الرجعية حظيت، في البدايات، بدعم مبطن ودفاع مستميت من أدبيات الإخوان للحفاظ على صيغة تخدم مصالحهم الحزبية. وعندما انفجرت ثورة السادس والعشرين من سبتمبر المجيدة، ودخل اليمن عصر الجمهورية، لم ينخرط الإخوان في بناء الدولة الوطنية، بل ظلوا ينخرون في جسد الثورة الفتية ويتآمرون عليها، واضعين بوصلتهم السياسية في اتجاه المرشد العام في القاهرة عوضًا عن مصلحة اليمن، مما جعل الولاء للتنظيم العابر للحدود يسبق دائمًا الولاء للوطن.

ولم تكن الوحدة اليمنية عام 1990 مشروعًا يروق للإخوان، فحاربوها وشيطنوا أطرافها، وعندما تحققت كإرادة شعبية وتاريخية، أخذوا على عاتقهم الانتقام منها ومن صانعيها، وظلوا يغرقون البلاد في أزمات معيشية وأمنية وسياسية متلاحقة، لولا حنكة القيادة السياسية آنذاك التي نجحت في إدارة هذه التناقضات وتجنيب البلاد السقوط المبكر. وحين جاءت فوضى الحادي عشر من فبراير عام 2011، وجد الإخوان فيها الفرصة الذهبية لركوب الموجة واستغلال عواطف الشباب ومطالبهم المشروعة لتمرير أجندات تفكيك الدولة. ولم يكن حصادهم وطنيًا، بل كان استثمارًا تجاريًا بحتًا حققوا من خلاله أرباحًا مالية وسياسية خيالية، نراها اليوم واضحة في استثماراتهم وعقاراتهم بأرقى عواصم العالم، بينما تُرك المواطن اليمني يصارع الجوع وقذائف مليشيا الحوثي الإرهابية.

وهذا السيناريو الانتهازي يتكرر اليوم بوضوح في ملف مطارح الكرامة في محافظة الجوف، فهذا الحراك الشعبي والقبلي الأصيل، الذي طالب به الشيخ فدغم، بوصفه حراكًا نابعًا من معاناة الأرض وأهلها، سرعان ما قفز عليه الإخوان ليعبثوا بعدالته ومطالبه، حيث يديرون من خلف الكواليس مفاوضات سرية مع المليشيات الحوثية، مستخدمين تضحيات القبائل كأوراق ضغط لتحسين شروطهم الخاصة، بالتوازي مع ابتزاز الحكومة الشرعية بمطالبات مالية خيالية لاستمرار المطارح، وهي أموال تذهب، بحسب ما يورده المقال، مباشرة لتمويل أنشطة الحزب الخارجية، تمهيدًا للاستيلاء الكامل على المطارح أو فضها بعد انتهاء مصلحتهم منها.

والسؤال الكبير عن سبب تأخر الحسم العسكري ضد مليشيا الحوثي طوال هذه السنوات، تجيب عنه، وفق رؤية الكاتب، لعنة الإخوان المسلمين. ففي كل جبهة يسيطرون عليها يتحول السلاح إلى تجارة، والمعارك إلى صفقات تسليم واستلام، ليظل النصر مؤجلًا بقرار حزبي، لأن استمرار الحرب يضمن تدفق أموال الدعم، مما يثبت، بحسب المقال، أن الإخوان ليسوا شركاء في معركة استعادة الدولة، بل هم عبء ثقيل عليها. وطالما استمر تغلغلهم في مفاصل الشرعية والجيش، فإن النصر سيظل بعيد المنال، وستستمر معاناة اليمن السعيد.