تعز .. "سجن التوزيع المناطقي" وسرّ الفيتو غير المعلن ضد القطاع الصحي (الحلقة 1)

تعز .. "سجن التوزيع المناطقي" وسرّ الفيتو غير المعلن ضد القطاع الصحي (الحلقة 1)
استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي
مشاركة الخبر:

ليس سراً أن خارطة المساعدات الإنسانية في اليمن قد رُسمت بحبر "المصالح" لا بحبر "الاحتياج". وبينما تستيقظ عدن كل يوم على مشاريع دولية جديدة، تغرق مدينة تعز في صمت مطبق، وكأن المدينة التي صمدت في وجه الحصار تواجه اليوم "حصاراً من نوع آخر"؛ حصاراً تفرضه أجندات المنظمات ووزارات تخلّت عن مهنيتها لصالح الانتماءات المناطقية.

لماذا تعز خارج الحسابات؟
عندما نغوص في أرقام الدعم، نجد أن ما يصل إلى مستشفيات تعز لا يتجاوز 5% من احتياجاتها الحقيقية. هذه النسبة الهزيلة ليست صدفة، بل هي نتيجة لسياسة ممنهجة تقوم على "إرضاء أصحاب النفوذ". فمديرو المنظمات، ومن أجل الحفاظ على بقائهم في مناصبهم وضمان تسهيلات العمل، يختارون الطريق الأسهل: تجاهل تعز حتى لا يغضبوا أصحاب القرار في الوزارات المناطقية.
إن المعادلة باتت واضحة؛ إذا أردت أن تبقى منظمتك في عدن، فعليك أن تغض الطرف عن تعز. هكذا تحوّل العمل الإنساني من "رسالة إنقاذ" إلى "أداة ترضية" تُدار من مكاتب مكيفة في العاصمة المؤقتة.

إلى المسؤولين: أين تذهب العدالة؟
نوجّه أصابع الاستفسار هنا، لا كصحافة، بل كصوت لمريض يلفظ أنفاسه في مستشفى تعزي يفتقر إلى أدنى مقومات البقاء:
معالي وزير الصحة: بصفتك السلطة العليا، ما المعايير التي تجعل عدن "مركزاً للمنح" وتعز "هامشاً للمنسيين"؟ هل توزيع الدعم يخضع لاحتياجات الناس أم لتوازنات القوى؟
وكلاء الوزارة: أنتم الذين تملكون زمام التنسيق والرقابة، لماذا لا نسمع لكم صوتاً يطالب بحقوق تعز الصحية؟ هل أنتم جزء من عملية التهميش، أم أنكم عاجزون عن قول "لا" أمام تغوّل المناطقية؟ أم أنكم سبب رئيسي في ذلك؟

الحقيقة المرة: دورات تأهيلية أم "تلميع"؟
المنظمات التي تدّعي دعم تعز تقدّم غالباً فُتاتاً: دورات تأهيلية لا تغني ولا تسمن من جوع، بينما تترك البنية التحتية للمستشفيات لتنهار. إن الهدف من هذه التدخلات هو "التصوير الإعلامي" فقط، لإثبات وجود المنظمة في تعز شكلياً، بينما الحقيقة أن القلب النابض للقطاع الصحي في المحافظة محظور عليه الوصول إلى المنح الحقيقية.
إن تعز، بتاريخها وثقلها البشري، لم تكن يوماً مستجدية، لكنها اليوم تضع الجميع أمام مسؤوليتهم التاريخية. إن استمرار هذا التغييب ليس مجرد إهمال، بل هو "جريمة إنسانية" تساهم فيها الوزارة والمنظمات على حد سواء.
سؤالنا برسم الإجابة، ولكن ليس بالبيانات الصحفية المعلبة، بل بالأرقام والواقع الذي نلمسه في المستشفيات التي تئن تحت وطأة النسيان.