البيضاء.. "محرقة" الأحرار .. حين تحولت المدينة إلى مسلخ للاغتيالات الممنهجة من مليشيا الحوثي

البيضاء.. "محرقة" الأحرار .. حين تحولت المدينة إلى مسلخ للاغتيالات الممنهجة من مليشيا الحوثي
مشاركة الخبر:

لم تعد محافظة البيضاء، "قلب اليمن النابض" وحصن القبيلة الشامخ، سوى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات وإعدام الكرامة. لقد تحولت هذه الأرض التي طالما عُرفت بأنفتها وإبائها، إلى مصيدة للاغتيالات الممنهجة التي تديرها أيادٍ خفية تستمد قوتها من سطوة المليشيا الحوثية.

إن الاغتيالات في البيضاء ليست مجرد حوادث عابرة، بل هي استراتيجية "استئصال" تستهدف كل صوت حر، وكل وجاهة قبلية ترفض الانحناء، وكل عقل راجح يقف في وجه مشروع التجريف الطائفي.
لقد استبدلت المليشيا "أعراف القبيلة" بـ"أعراف القتلة"، وجعلت من رصاصة الغدر وسيلة وحيدة للتعامل مع من لا يأتمر بأمر مشرفيها، لتصبح البيضاء اليوم مدينة تعيش تحت وطأة الصمت المطبق، حيث يُغتال الرجل في وضح النهار، وتُغلق ملفات الجريمة قبل أن تبرد دماء الضحايا، في مشهد يعكس انحطاطًا أخلاقيًا وسياسيًا لا مثيل له.

شهادات من مسرح التصفية
"الشيخ منصور" (وجه قبلي من أبناء المحافظة) يقول:
"البيضاء تُذبح من الوريد إلى الوريد، والاغتيالات التي نشهدها اليوم هي عملية تصفية ممنهجة للنخب الاجتماعية والقبلية التي كانت ترفض تمرير أجندة المليشيا.
لم يعد هناك أي احترام لأعراف القبيلة، ولا حرمة للدم الذي كان يُحرّم سفكه سابقًا إلا بالحق. نحن نرى كيف يتم استهداف الشباب والشخصيات الاجتماعية في طرقاتنا العامة، والفاعل يمر من نقاط التفتيش التي تسيطر عليها المليشيا دون أن يعترض طريقه أحد.
هؤلاء القتلة ليسوا غرباء، بل هم أدوات وظيفية تعمل بالتنسيق مع أجهزة أمنية مستحدثة، هدفها زرع الرعب في قلوب الجميع. لقد فقدنا خيرة رجالنا الذين كانوا صمام أمان للمجتمع، وكل جريمة اغتيال تتم هي طعنة جديدة في قلب البيضاء، ومحاولة لكسر إرادة أهلها الذين رفضوا الذل، والآن يدفعون ثمن كرامتهم دماءً تسيل في أزقة المدن."

نعيش في سجن كبير
"سالم" (شاهد عيان على إحدى عمليات الاغتيال) قال:"لن أنسى ذلك اليوم ما حييت؛ كانت الساعة تشير إلى الظهيرة حين اقتربت دراجة نارية من سيارة أحد التربويين المعروفين بنزاهته في المحافظة. بدم بارد، وبكل هدوء، أطلق المسلحون وابلًا من الرصاص، ثم ولّوا هاربين وكأن شيئًا لم يكن.
لم يتدخل أحد، ولم تكن هناك أي دورية أمنية، رغم وجودها في محيط المكان. وعندما حاولنا إسعاف الضحية، وصلت الأطقم التابعة للمليشيا الحوثية بعد فوات الأوان، لا للتحقيق أو لملاحقة القتلة، بل لفرض طوق أمني يمنع الناس من التصوير أو جمع الأدلة.
هذه العمليات تتكرر بنفس السيناريو وبالطريقة ذاتها، مما يثبت أن هناك غرفة عمليات تدير هذه الاغتيالات. نحن نعيش في سجن كبير، حيث الموت يتربص بنا في كل زاوية، والكل يعلم من يقتل، لكن لا أحد يجرؤ على النطق باسم القاتل."

أصبح القتل "رسالة" تهديد لكل من تسوّل له نفسه الاعتراض
"فاطمة" (زوجة أحد ضحايا الاغتيالات الغامضة):"حين قتلوا زوجي، لم يتركوا لي حتى حق البكاء في العلن؛ لقد هددوني بالتصفية إذا طالبت بفتح تحقيق. زوجي لم يكن سياسيًا، كان فقط رجلًا يرفض الظلم ويتحدث بكلمة الحق في مجلسه الخاص.
الاغتيالات هنا أصبحت أداة لإسكات المجتمع، لقد أصبح القتل "رسالة" تهديد لكل من تسوّل له نفسه الاعتراض. نعيش في خوف دائم، حيث لا أمن ولا أمان، فالدولة التي يفترض أن تحمينا هي نفسها من توفر الحماية للقتلة.
كل يوم نرى أمهات وزوجات يبكين في صمت، خوفًا من أن يلحق بهن مصير أحبائهن. البيضاء تحولت إلى مقبرة مفتوحة، والقتلة يتجولون بيننا بوجوه مكشوفة، يضحكون على معاناتنا، بينما تغرق المحافظة في ظلام دامس من الخوف واليأس."

حرب إبادة ضد العقول والشخصيات المؤثرة
"عادل" (طبيب يعمل في مستشفى المحافظة) قال:
"نستقبل في المستشفى أسبوعيًا حالات اغتيال بأسلحة كاتمة للصوت أو بطلقات مباشرة، والنمط واحد. ما يثير الريبة ليس فقط كثرة الاغتيالات، بل الحرص الشديد على طمس الحقائق.
يصل القتلى، ثم يتدخل "مشرفون" تابعون للمليشيا ويمنعون الأطباء من التوثيق، ويصنفون القضايا فورًا على أنها "ثارات قبلية" لغسل أيديهم من دماء الأبرياء.
هذا التضليل الإعلامي والأمني جزء لا يتجزأ من جريمة الاغتيال ذاتها. نحن ككادر طبي نشعر بالعجز، فالبيئة المحيطة بنا باتت ملوثة بالخوف.
القتلة يعلمون أنهم فوق المساءلة، والضحايا يعلمون أن لا قانون سينصفهم. إنها حرب إبادة ضد العقول والشخصيات المؤثرة، تهدف إلى إفراغ المحافظة من كل كفاءاتها وإخضاعها تمامًا لهيمنة المليشيا القاتلة."

البيضاء تتعرض لعملية "تطهير"
"حسين" (ناشط حقوقي) قال:"تتبعنا مسارات الاغتيالات في البيضاء، ووجدنا أنها تتبع خريطة مدروسة بدقة. الضحايا دائمًا هم الأشخاص الذين يملكون تأثيرًا اجتماعيًا أو قدرة على الحشد ضد المليشيا.
هذا يعني أن الاغتيال هنا سياسي بامتياز، مغلف بغطاء الجريمة الجنائية. المليشيا تستغل غياب الدولة لتعيد صياغة المشهد الديموغرافي والسياسي في المحافظة عبر تصفية الرموز.
إنني أوثق كل يوم انتهاكات جديدة، والواقع يقول إن البيضاء تتعرض لعملية "تطهير" من كل عناصر القوة فيها.
هؤلاء القتلة يحملون حصانات، وأحيانًا يُكافأون بتعيينات في مناصب أمنية بعد تنفيذ عملياتهم. لقد تحولت البيضاء إلى مختبر لأساليب الإرهاب الممنهج، والنتيجة هي تمزيق النسيج الاجتماعي الذي كان يومًا ما هو أصل العرب وأساس وحدتهم."

ختامًا: البيضاء تحت المقصلة
إن ما تشهده البيضاء هو ذروة الغدر الذي تمارسه المليشيا، حيث يُغتال الأحرار في عقر دارهم، وتُصادر كرامة القبيلة في وضح النهار.
إن هذه الاغتيالات ليست مجرد أرقام، بل هي سحقٌ لهوية محافظة ظلت طويلًا رقمًا صعبًا في معادلة الوطن. لقد أصبحت البيضاء اليوم "محرقة" للرجال، حيث تُقدم القرابين على مذبح السلطة الحوثية التي لا تجيد إلا القتل والنهب.
إذا استمر هذا المسلسل الدامي دون رادع، فإننا لا نشهد فقط اغتيال أفراد، بل نشهد اغتيال "ذاكرة" و"إرادة" محافظة بأكملها.
إن صمت المجتمع الدولي وتخاذل المنظمات الحقوقية أمام هذا النزيف المستمر يمنح القتلة ضوءًا أخضر للاستمرار، لتبقى البيضاء تصرخ في وجه التاريخ، وتنتظر عدالة لن تأتي إلا باستعادة الدولة وكنس المليشيا التي حولت بيوتنا إلى مآتم ومياديننا إلى ساحات للإعدام.