يوميات الخوف .. جمهورية الرعب.. حيث الموت بالتقسيط والمهر المؤجل

منذ ساعة
مشاركة الخبر:

متى سننام على سلام، ونصحو على أمان وأخبار مفرحة؟ سؤال أصبح يطارحنا الفراش كل ليلة، كأننا لسنا بشرًا نعيش على أرض، بل ركابًا على سفينة تائهة في بحر من العبث. ننام ونحن نعدّ الساعات لنستيقظ على كابوس جديد، وعلى مانشيتات صحفية تتبارى في إحصاء الخراب، وكأننا في مهرجان سنوي للتعاسة.
تعالوا نتخيل معًا، من باب الخيال العلمي المحض، أن آخر الشهر قد أقبل واستلمنا "المرتبات والمخصصات" كاملة! يا له من مشهد سريالي يبعث على الضحك الباكي. تتخيل الموظف وهو يهرول نحو السوق، حاملًا كيس النقد المنهار، ليفاجأ بأن بائع الليمون يتعامل معه وكأنه يشتري سبائك ذهب. الأسعار في بلادي لها أجنحة طائرة، تسبق الراتب بمسافات ضوئية، بينما تظل المرتبات في مكانها، كأنها أصيبت بشلل الأطفال. نجوب الأسواق بوجوه باهتة وأكياس فارغة، نقارن بين ثمن الطماطم وثمن كرامتنا، لنكتشف في النهاية أننا لسنا سوى متفرجين أغبياء في مسرحية هزلية، أبطالها تجار الأزمات وعبدة الجشع.
أما عن الأحلام الكبرى، فتلك طامة أخرى. في الزمن القديم، زمان "قبل الطوفان"، كان الواحد منا يحلم بتزويج ابنه أو ابنته، فيقيم عرسًا تضج به الحارة، وتعلو فيه الأهازيج، دون أن يرتجف قلب الأب عند رؤية فاتورة قاعة الأفراح أو ثمن الشبكة.
أما اليوم، فقد أصبح التفكير في "الزواج" مغامرة انتحارية تشبه تمامًا محاولة تفكيك قنبلة موقوتة. فالمهر وحده يحتاج إلى قرض استهلاكي، والاحتفال أصبح تهمة إسراف تحاسب عليها عرّابيات الديون المتراكمة التي أصبحت ترتج فوق الأكتاف كالطود العظيم. صار الشاب منا يحلم بالزواج كما يحلم بالسفر إلى المريخ؛ رغبة جامحة، وتكلفة مستحيلة، ونهاية مأساوية. صرنا نزوّج أبناءنا "بالسكتة الدماغية" والصمت المطبق، بلا طبول ولا زغاريد، مخافة أن يأتي الدائنون ليطالبونا بثمن عشاء العرس قبل أن يفرغ العروسان من قطعتي الكيك!
"هل يعود الزمن إلى الوراء؟ وهل يكون المستقبل أفضل من اليوم، أم أننا سنظل رهائن لهذا الرعب والخوف والقلق المستبد بكل تفاصيل حياتنا؟"
العجيب في أمرنا أننا نمتلك قدرة خارقة على الاعتياد؛ اعتدنا على انقطاع الكهرباء حتى صار الظلام صديقًا حميمًا، واعتدنا على تعبئة المياه في الدلاء، وكأننا نعيش في العصر الحجري، واعتدنا حتى على السخرية من آلامنا، لأن البكاء أصبح ترفًا لا تقوى عليه المآقي الجافة.
يخرج علينا المسؤولون في خطابات عصماء، يحدثوننا عن "الإصلاحات الاقتصادية" و"الاستقرار الوشيك"، فنكاد نصدق أننا نقيم في سويسرا الشرق، لولا أن الواقع يصفعنا على وجوهنا كل صباح بفاتورة جديدة أو سلعة مضاعفة الثمن. إنها حقًا "جمهورية الرعب الممنهج"، حيث يُطلب منك أن تموت بصمت، وأن تصفق للجلاد الذي يجلد ظهرك كل يوم باسم الشرعية أو الوطن أو الظروف الاستثنائية.
الأيام لا تعود إلى الوراء، حقًا، ولا ندري إن كان المستقبل يحمل لنا انفراجة أم مزيدًا من التمريغ في وحل المذلة. لكن شيئًا واحدًا يبقى مؤكدًا: أن هذا الليل، مهما طال، وسخرية الأقدار، مهما تمادت، لن تُطفئ في عيوننا وميض الأمل الأخير.. أمل في يوم ننام فيه بلا خوف، ونصحو فيه على وطن يعود لأهله، لا لتجار الحروب وسماسرة الموت.