مدينة بأكملها تحولت إلى مصحة كبرى .. طوابير الموت والشفاء التجاري بمستشفيات وعيادات عدن

مدينة بأكملها تحولت إلى مصحة كبرى .. طوابير الموت والشفاء التجاري بمستشفيات وعيادات عدن
مشاركة الخبر:

​حين تشرق شمس عدن على مدينة أنهكها الدهر، لا يبدأ الصباح برائحة البن ولا بصوت الأمواج، بل بطابور طويل عريض يمتد من بوابات المستشفيات الحكومية المتهالكة ليصل إلى صالات الانتظار  في عيادات القطاع الخاص .
مدينة بأكملها تحولت إلى مصحة كبرى، كأنما وقّع أهلوها عقداً أبدياً مع طوارئ المستشفيات. تتنقل بين مشفى حكومي تجد ردهاته تضج بالبؤس والزحام لدرجة الغثيان، فتفر هرباً إلى مشفى خاص عسى أن تجد طوق نجاة، فإذا به أكثر ازدحاماً وأشد ضراوة، حيث تُستنزف جيوب المرضى المنهكة بلا رقيب ولا حسيب. 
وسط هذا المشهد السريالي، تبدو وزارة الصحة ومكاتبها في عدن في سبات عميق، وكأن الأمراض والأوبئة التي تحاصر الصغار والكبار، والنساء والشيوخ، تحدث في كوكب آخر. أطباء يوزعون المواعيد على أسابيع قادمة، ومستشفيات لا ترى في الأوجاع البشرية سوى أرقام في خزائن الاستثمار، لتصبح العافية في عاصمتنا الحبيبة سلعة باهظة الثمن، ومرضى لا يملكون من أمرهم سوى الوقوف في طوابير الانتظار الطويلة.

المرض صار موضة العصر الحديث
أبو أحمد (مواطن خمسيني يكابد زحام المستشفى الحكومي) قال: ​"يا ريت الشغلة وقفت على مجرد الزحام، إحنا اليوم بالمستشفى الحكومي نتحشر كأننا في طابور توزيع غاز مسروق، تدخل تلاقيه ممتلئ عن آخره والدكاترة يشتغلون بروح منطفئة وعقل مستقيل، وإذا رحنا المستشفيات الخاصة يقولوا لك الحجز بعد أسبوعين لأن العيادة مليانة زبائن، كأن المرض صار موضة العصر الحديث أو رحلة ترفيهية سنوية. العائلات بكاملها هنا، الشيبة والطفل والزوجة، والسبب باختصار أن وزارة الصحة نايمة في العسل، لا رقابة مالية ولا صحية، كل ما يهمهم أن تدفع ثمن الكشفية والفحوصات الغالية وأنت صاغر، والموت يأخذ حقه مننا بكل ترخيص وسهولة بينما الحكومة في خبر كان."

المستشفيات تحولت إلى شركات تجارية تحتكر الأجهزة والفحوصات بأسعار فلكية
الدكتورة سوسن مرشد (طبيبة باطنية في مستشفى خاص) قالت:  ​"بصراحة الضغط غير معقول وغير طبيعي أبداً طوال الأربع وعشرين ساعة، أستقبل في العيادة الخاصة حالات يومية تفوق الطاقة الاستيعابية بأضعاف مضاعفة، وتضطرني كثرة الزحام لتأجيل مواعيد بعض المرضى إلى أسابيع قادمة رغم حرارة أوجاعهم. الناس تعاني من أمراض نفسية وعضوية مرتبطة بالفقر والقهر والغلاء وتلوث البيئة والمياه، والمستشفيات تحولت إلى شركات تجارية تحتكر الأجهزة والفحوصات بأسعار فلكية دون أي تدخل أو التزام من وزارة الصحة الغائبة كلياً عن المشهد.
نحن كأطباء نقف عاجزين أمام هذا الطوفان البشري المريض، فالمواطن هنا أصبح بين فكي رحى؛ حكومة لا تقدم خدمة مجانية تليق بالبشر، وتجار صحة لا يرحمون جيوب المنكوبين."

والمستشفيات لا تنظر إلينا كبشر نشتكي الألم، بل تنظر إلى جيوبنا
أم سالم (سيدة تعاني من ألم ابنها الصغير في ردهة الطوارئ) تقول:  ​"أنا لفيت اليوم على ثلاثة مستشفيات حكومية وخاصة، وابني يبكي من شدة الوجع وأنا أتحسر على ضعفي وقلة حيلتي؛ الحكومي زحمة مقرفة وخدمة صفر، والخاصة أسعارهم تولع النار في الجيوب وتخلي الواحد يموت بالحياة قبل ما يدخل عند الدكتور. العجب العجاب 
أن أطفال عدن وشبابها وشيبانها كلهم مرضى، كأن وباءً خفياً يمر في الهواء ويضرب الجميع بدون استثناء. والأدهى والأمر أن وزير الصحة ومسؤوليه لا تسمع لهم صوتاً ولا ترى لهم فعلاً، كأن عدن تتبع كوكب آخر، والمستشفيات لا تنظر إلينا كبشر نشتكي الألم، بل تنظر إلى جيوبنا الخاوية بتمعن شديد لتسرق آخر قرش نصرف عليه علاج أولادنا."

الواقع الصحي في عدن أصبح نكتة سوداء
الكابتن مراد سعيد (مدرس ممتعض من تردي الوضع الصحي) قال: ​"الواقع الصحي في عدن أصبح نكتة سوداء تبكي الحجر قبل البشر، تخيل أنك تذهب للمستشفى لتعالج مريضاً فتخرج منه مريضاً آخر بسبب قرف الزحام وانعدام النظافة والتعقيم. ثمانون بالمئة من الشعب اليمني بعدن باتوا يعانون من أمراض مزمنة ونفسية بسبب الضغط والمعيشة والحر المفرط وغياب الخدمات الأساسية، والمستشفيات الخاصة والعامة تتنافس في استنزاف المريض وكأنها أسواق للمقايضة بالدم. أين وزارة الصحة؟ أين الرقابة والتفتيش؟ للأسف، مكاتب الوزارة بعدن تتحول يوماً بعد يوم إلى ديكورات خاوية بلا طعم ولا لون، والمسؤولون فيها مشغولون بصفقاتهم الخاصة بينما المواطن البسيط يُساق إلى المقابر ببطء شديد تحت وطأة الفحوصات الغالية والأدوية المغشوشة."

نحن نعيش كارثة حقيقية صامتة، وزارة الصحة غائبة تماماً
الشاب طارق عدنان (مرافق لوالده المسن في عيادة خاصة) يقول:  ​"والدي الكبير في السن جلسنا نبحث له عن موعد عند اختصاصي قلب مدة أسبوعين، وكل عيادة خاصة نروحها نلاقي الطابور خارج الباب بمسافات، والأسعار دبلات خيالية للأجهزة والفحوصات، ولو تشكيك بتقرير طبي يقولوا لك روح اعمل الفلاني في المختبر الفلاني حصراً.
الناس مكدسة في كل مكان، في الشوارع، في البيوت، وفي المستشفيات التي صارت تشبه محطات القطار المزدحمة. نحن نعيش كارثة حقيقية صامتة، وزارة الصحة غائبة تماماً كأنها غير موجودة، ومسؤولوها لا يحملون من هموم الناس شيئاً سوى تقاضي الرواتب ومتابعة المصالح الضيقة، بينما المرض يحاصر الكبار والصغار دون أي رحمة أو رادع."

أسعار تكسر الظهر
الحاجة فاطمة عمر  قالت:؛​"يا ابني نحن في زمن صار فيه المرض تجارة كبرى تربح الملايين على حساب أنين الفقراء. اذهب إلى أي مستشفى حكومي ستجد العجب العجاب من قلة الأدوية وانعدام الأدوات، وإذا هربت للخاص استقبلتك أسعار تكسر الظهر وتجعلنا نبيع ما وراءنا  لأجل حقنة أو أشعة. الناس هنا كلهم مرضى، الضغط والسكر والقلب والسرطان والهموم المتراكمة أنهكت أجسادنا، ولا وزير صحة سأل عنا ولا مكتب صحة نزل يتفقد جشع المستشفيات الخاصة التي تتاجر بأرواحنا جهاراً نهاراً. الله حسيب كل ظالم ومقصر ترك عدن وأهلها فريسة سهلة للمرض والغلاء وجشع تجار الموت بالملابس البيضاء."

​الختام:
​إن المشهد الصحي الكارثي الذي تعيشه مدينة عدن اليوم لم يعد مجرد أزمة عابرة أو إخفاق إداري بسيط، بل هو إدانة صارخة لوزارة صحة عطلت حواسها وأغلقت أبوابها أمام صرخات المواطنين، لتترك العباد لقمة سائغة في مخالب مستشفيات خاصة تحولت إلى أباطرة استثمار وأسواق مالية تمتص دماء المرضى بلا ضمير ولا رادع أخلاقي.
إن صمت الجهات المسؤولة وتغاضيها المخزي عن الفوضى العارمة، وغياب أبسط معايير الرقابة الصحية والمالية على الأجهزة والفحوصات والأدوية، يضع الحكومة أمام مسؤولية جنائية وتاريخية لا يمكن التغاضي عنها. فأن يتحول ثمانون بالمئة من سكان عدن إلى مرضى يلهثون خلف وهم العلاج في طوابير الذل والانتظار الطويل، بينما المسؤولون ينعمون بالصمت والبرود، فهذا يعني ببساطة أننا أمام منظومة حكومية ماتت فيها الإنسانية قبل أن تموت الضمائر، وأن عدن باتت مدينة تُحكم بقانون الغاب حيث الموت للفقير والعلاج الفاخر لمن يملك الثمن!