الإنسان لا يعيش على صدى الدفوف .. مسرحية "الزوامل الخاوية".. الأهازيج لا تُشبع الجوعى

الإنسان لا يعيش على صدى الدفوف .. مسرحية "الزوامل الخاوية".. الأهازيج لا تُشبع الجوعى
مشاركة الخبر:

اكتشاف علمي عظيم توصلت إليه عبقرية المليشيا الفذة؛ فقد تبين لنا أخيراً أن البطون الخاوية لا تحتاج إلى طحين أو خبز، بل تكتفي تماماً بسماع "الزوامل الحماسية" وهي تدوي عبر مكبرات الصوت لتروي العطش وتشبع الجياع! فبينما يقف المواطن المسكين أمام طابور الخبز يحسب أيامه بالدقائق والثواني، تخرج علينا المليشيا الحوثية باحتفالات صاخبة وأهازيج رنانة تكفي لدفع عجلة الاقتصاد إلى كوكب المريخ، متناسية أن الإنسان لا يعيش على صدى الدفوف ونغمات التهديد والوعيد.
إن الجائع، يا سادة، لا يملك معدة مطاطية تستوعب الخطب الثورية، ولا يستطيع استبدال ورقة النقد ببيت شعر فصيح، والشعب اليوم لا يطلب المستحيل، بل يطالب بأبسط حقوقه البشرية؛ فاصرفوا لنا مرتباتنا المنهوبة، وبدلات غلاء المعيشة التي أكلتها النار، وخذوا زواملكم وثوراتكم الوهمية إلى حيث تشاؤون، واتركوا لنا حياة مطمئنة، وأمناً وأماناً، وحرية حقيقية في مساجدنا، بعيداً عن وصايتكم المقيتة التي أثقلت الكواهل وأتعبت الأرواح!

الزامل بدلاً من الراتب.. انظروا إلى المهزلة
أبو شنب، موظف حكومي مقطوع الراتب ومحترف في اصطياد السراب، يقول: "يا جماعة الخير، بالله عليكم أخبروني بكل صدق: هل هناك قانون فيزيائي جديد في كليات الاقتصاد البديل يقول إن الموظف يمكنه العيش على نغمات زامل بدل قبضه الفعلي المنهوب؟ لقد ذهبت إلى البنك الأسبوع الماضي، فوقفت في طابور طويل مدته خمس ساعات تحت شمس حارقة، طمعاً في الحصول على الفتات المتبقي من راتب العام الماضي، فاستقبلني المسؤول بابتسامة صفراء تشبه ابتسامة الموناليزا، وقال لي بكل برود: (السيولة غير متوفرة، لكن اسمع هذا الزامل الجديد وتفاءل بالخير). تفاءل بماذا، يا هداك الله؟ هل أطعم أحفادي كلمات ثورية ناشفة، أم ألبسهم أوراق المعاملات الحكومية الممزقة؟ نحن لا نريد منكم جوائز نوبل في التقشف الإجباري، ولا نحتاج إلى إنجازات وهمية تُكتب بحبر مخفي، نحن نريد فقط مرتباتنا التي تأتي متأخرة كأنها تأتي على ظهر سلحفاة مصابة بالروماتيزم المزمن، وبدلات غلاء المعيشة التي تكفي لشراء أساسيات العيش قبل أن يرتفع سعرها إلى سعر طائرة مسيرة محملة بالأهازيج!"

نحن لا نريد زواملكم ولا خطبكم المعسولة
أم حسن، ربة منزل محترفة في السحر الأسود وتدبير لقمة العيش، قالت: "يا ناس، اتقوا الله في عقولنا وأطفالنا! صار التسوق في السوق الشعبي يشبه رحلة استكشافية إلى كوكب المريخ في خيال علمي رديء ومليء بالمآسي. الكيلو من الطماطم أصبح يحتاج إلى كفيل وضمان عقاري، والدجاجة المسكينة تنظر إلينا من داخل الثلاجة نظرة تشمئز منا لأننا لا نقدر على ثمنها الباهظ الذي يرتفع مع كل صرخة ميكروفون. المليشيا تقول لنا: (اصبروا، الزوامل قادمة وستغير وجه التاريخ)، وكأن هذه الأهازيج ستأتي ومعها مكنسة جرافة تكنس الغلاء وتوزع الفراخ المشوية على البيوت مجاناً! نحن لا نريد زواملكم، ولا نريد خطبكم المعسولة التي لا تسمن ولا تغني من جوع في بطون أطفالنا الذين نسوا طعم الشوكولاتة. اصرفوا مرتبات أزواجنا التي أكل الدهر عليها وشرب، وامنحونا خدمات آدمية؛ كهرباء لا تنقطع كل خمس دقائق كأنها تلعب معنا لعبة الغميضة، ومياهاً صالحة للشرب بدلاً من مياه الصرف الصحي. خذوا زواملكم وفشخرتكم لأنفسكم، وارحموا هذا الشعب الذي أصبح يكتب أحلامه على ورق الشجر!"

خذوا زواملكم، واصرفوا لنا حقوقنا
عبدالوارث، شاب عاطل عن العمل يحمل شهادة بكالوريوس في فنون الانتظار، قال:
"السادة الحاكمون بأمر الميكروفونات يعتقدون أننا جيل من الفلاسفة الذين يعتاشون على الحماس والإنترنت المجاني حين تتوفر شرارة الكهرباء المقطوعة طوال الصيف. لقد تخرجت من الجامعة بامتياز، ومنذ ذلك الحين وأنا أحمل شهادتي في جيبي أبحث عن وظيفة تليق بجهدي، فوجدت أن الوظيفة الوحيدة المتاحة هي (منشد رسمي) في احتفالاتهم الفاقعة التي لا تنتهي ولا ترحم! هل يعقل أن نقضي زهرة شبابنا ونحن نعد النجوم في الليل، ونحسب أسطح المنازل في النهار طمعاً في وظيفة حكومية تقهر الفقر المدقع؟ نحن نريد أمناً وأماناً حقيقيين، لا أمناً يقبض على الرغيف الطازج بتهمة التمرد على السعر وجباية المجهود الحربي! نحن نريد حياة مطمئنة نستطيع فيها التفكير في الزواج دون أن نحتاج إلى قروض دولية لتسديد مهر العروس. خذوا زواملكم، واصرفوا لنا حقوقنا، واتركوا المساجد والعبادات لأهلها بعيداً عن وصايتكم الطائفية المقيتة، فبيوت الله مقدسة وليست منابر لتبرير جحودكم وعجزكم المستمر!"

الديون متراكمة، والسبب زوامل المليشيا
عبدالسلام عامر، صاحب دكان بقالة صغير على حافة الإفلاس التام، قال: "يا إخواننا، أنا لست سياسياً، ولا أطمح إلى كرسي وزارة، ولا أهتم بصراعات الكراسي، أنا مجرد بقال مسكين أبيع السكر والعدس بالتقسيط الممل لمن يملك وجهاً شاحباً. طوال النهار وأنا أستقبل زبائن يأتونني بوجوه صفراء وأكياس فارغة، يسألونني عن أسعار السلع ثم يغادرون وهم يبكون بصمت مكسور الأجنحة. كيف تريدونني أن أستمر، ودكاني أصبح عبارة عن متحف للأغراض التي لا يستطيع أحد شراءها سوى التجار الكبار المرتبطين بالسلطة؟
المليشيا تخرج علينا كل يوم بتصريحات عن (نمو اقتصادي مذهل) و(استقرار مالي تحت قصف الزوامل)، وأنا أتحدى أي مشرف أن يأتي ليشتري علبة جبنة من دكاني براتبه الحقيقي دون أن يستدين أو يفرض جباية! اصرفوا مرتبات هؤلاء المساكين لكي يرجعوا إلى دكاني ويشتروا، ولا تتحدثوا معي عن الأهازيج؛ فالشيء الوحيد الذي يعمل عندي بانتظام هو عداد الديون والكهرباء المقطوعة طوال النهار والليل!"

خذوا زواملكم معكم إلى غير رجعة، وأعيدوا لنا شيئاً من كرامتنا المهدرة
فكري صالح، مثقف ساخر وناقد لاذع لأحوال الرعية والمسؤولين الجدد، قال: "أيها السادة، نحن نعيش في سيرك سياسي عظيم، حيث البهلوان هو المشرف، والمواطن هو المهرج الذي يصفق بيديه الموجوعتين طوال العرض! لقد تفننتم في ابتكار مصطلحات عبقرية لتعذيبنا، فمرة (المجهود الحربي)، ومرة (التحديات الراهنة)، والآن جئتمونا ببدعة (الزوامل) التي ستنقذنا من الجوع، وكأننا في فيلم خيال علمي رديء من إخراج الاستبداد المطلق. اسمعوها بوضوح وبصوت مرتفع لا يخشى بطشكم: الشعب لا يريد منكم فضائيات تذيع إنجازاتكم الوهمية، ولا يريد أهازيج تمجد مقاومتكم للرفاهية بينما قصوركم تضج بالنعيم. الشعب يريد لقمة حلال، ومرتبات في موعدها دون منّة من أحد، وخدمات لا تنقطع كلما اشتدت حرارة الصيف، وحرية حقيقية في المساجد وفي الشوارع، بعيداً عن كمامات الألسنة التي تكممونها كلما أطلق مواطن صرخة ألم. خذوا زواملكم معكم إلى غير رجعة، وأعيدوا لنا شيئاً من كرامتنا المهدرة على أرصفة العجز الإداري والتسلط الأعمى!"
الخاتمة

في الختام، يا أصحاب السطوة والجبايات، نرجو أن تتقبلوا منا هذه الصرخة بقلوب مفتوحة وأذن صاغية، إن وجدت لها محلاً في صدوركم القاسية التي اعتادت سماع أصداء الرصاص وتجاهل أنين الجياع. فالزوامل المزعومة التي تنتظرونها وتفرضونها على المدارس والمساجد والأسواق لن تأتي لإنقاذ بطون جائعة؛ لأن الجوع لا يقرأ التقارير الحزبية، ولا يفهم لغة الألحان الفلكية التي ترسمونها في مكاتبكم بينما الشعب يحترق بنار الغلاء الفاحش.
إن التاريخ لم يرحم يوماً سلطة أدارت ظهرها لشعبها واستبدلت رغيف الخبز بالأهازيج والشعارات الجوفاء. فإما أن تصرفوا المرتبات وتصلحوا ما أفسدتموه من خدمات وأمن وحرية كاملة، أو تعلنوا بكل شجاعة أنكم قررتم إحالة الشعب إلى التقاعد الأبدي عبر بوابة الجوع المطبق. وفي كلتا الحالتين، تذكروا جيداً أن بطون الجائعين لا تُشبعها وعودكم النرجسية، وأن صبر هذا الشعب الطويل ليس سوى هدوء مخيف يسبق عاصفة لا تبقي ولا تذر، وحينها لن تنفعكم لا زواملكم ولا بطشكم الأمني، والسلام على من اتبع العقل لو كان يعقل!