استراتيجية التطبيع مع مليشيات الحوثيين بين مغالطة التحالف المؤقت ومشروع إيران الأبدي

منذ 53 دقيقة
مشاركة الخبر:

ظهرت في الفترة الأخيرة محاولات مشبوهة من قبل بعض الكُتّاب والصحفيين والإعلاميين، بل أحيانًا من السياسيين، يروجون لفكرة أن علاقة المليشيات الحوثية بالنظام الإيراني هي مجرد تحالف سياسي لحظي، أو علاقة تبادل مصالح مؤقتة. هذا الطرح، الذي يجد صدى لدى بعض الصحفيين والإعلاميين، بل وبعض النخب السياسية، يحمل في طياته أهدافًا خبيثة، تهدف إلى تخفيف الضغط الإقليمي والدولي عن هذه المليشيات، عبر اختزال الصراع في إطار داخلي يمني بحت بين الحكومة الشرعية وجماعة متمردة، وهذا من شأنه أن يُسقط البعد الإقليمي الخطير، ويحول دون تحرك دولي جاد لمواجهة مشروع توسعي طائفي يعيد إنتاج الإمبراطورية الفارسية في قلب الجزيرة العربية.

إن إنكار الارتباط العضوي والعقائدي بين الحوثيين وإيران ليس مجرد خطأ تحليلي، بل هو تدليس متعمد يتجاهل حقيقة تاريخية راسخة. فحركة الحوثي لم تنشأ في الفراغ، ولم تكن امتدادًا طبيعيًا للفكر الزيدي المعتدل، الذي عرفه اليمن لقرون، بل هي وليدة أحضان الحرس الثوري الإيراني؛ حيث درس مؤسسوها في الحوزات العلمية في إيران، وتلقوا تكوينًا فكريًا وعقائديًا قائمًا على نظرية ولاية الفقيه، التي تحول الحكم من نظام سياسي إلى أطروحة إلهية مقدسة. ومنذ البدايات الأولى كان حسين بدر الدين الحوثي يعلن في محاضراته إعجابه بالنموذج الإيراني ويمدح نظام الحكم هناك، دون أن يوجه له أي نقد، بل كان يوجه سهام انتقاده الحادة إلى الأنظمة العربية، وخصوصًا المملكة العربية السعودية، ويتهمها بالتخلف والعمالة، بينما يصور إيران كمنارة للإسلام الصحيح.

هذا التطابق الفكري ليس نظريًا فقط، بل تُرجم إلى دعم مادي ولوجستي وعسكري وسياسي غير مسبوق؛ فإيران لم تكتفِ بتقديم الغطاء الإعلامي والسياسي، بل أرسلت الخبراء والمدربين، وأمدت المليشيات بالصواريخ والطائرات المسيّرة والخبرات القتالية، التي حولتها من جماعة محلية إلى قوة إقليمية تهدد الملاحة في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، وتستهدف عمق المملكة العربية السعودية وبقية دول الخليج. وهذا ليس سلوك حليف مؤقت، بل هو سلوك ذراع إيرانية مخلصة تنفذ أجندة طهران بدقة، وتتحرك بتنسيق كامل مع حزب الله اللبناني وفصائل المقاومة الأخرى في إطار مشروع إقليمي موحد.

إن الترويج لفكرة أن العلاقة مجرد تحالف ظرفي بهدف حصر الخطر الحوثي داخليًا، وتقديمه كقوة محلية يمكن التفاوض معها أو دمجها في الحل السياسي، هو محاولة خطيرة لتغيير المعادلة الإقليمية، وتقديم خدمة مجانية للمليشيات، التي تسعى للخروج من دائرة الإدانة الدولية والضغط العقوباتي. كما أن هذا الطرح يغفل أن العداء الشديد الذي تظهره المليشيات تجاه المملكة العربية السعودية ليس مجرد خصومة حدودية، بل هو امتداد للعداء الأيديولوجي للنظام الإيراني تجاه المملكة العربية السعودية، الدولة السنية المحورية، التي تقف حجر عثرة أمام مشروع ولاية الفقيه التوسعي. ولهذا، فإن التقية السياسية التي تمارسها الجماعة في بعض المواقف لا تخفي العقيدة العميقة بأن السعودية هي العدو الاستراتيجي الأول لها، وأن الصراع معها صراع وجودي لا يمكن تجاوزه بمجرد تفاهمات مرحلية.

إن محاولات البعض نسب الحوثيين إلى الجذور الزيدية المعتدلة هي مغالطة تاريخية كبرى؛ فالزيدية اليمنية عُرفت بالمرونة والاعتدال، ورفضت فكرة العصمة والولاية المطلقة للفقيه، لكن الحوثي قدم اجترارًا مشوهًا لهذا المذهب، وخلطه بالمذهب الجارودي الإثني عشري، الذي يتطابق تمامًا مع أطروحات الخميني في ولاية الفقيه المطلقة. هذا التحريف المتعمد لم يرتكبه الحوثيون وحدهم، بل رعاه وأشرف عليه مرشدو إيران، الذين راهنوا على استغلال المظلة المذهبية لتمرير مشروع سياسي عسكري تحت غطاء ديني.

ما يقوم به بعض الكُتّاب والإعلاميين اليوم من ترويج لسردية الاستقلالية الحوثية هو، في جوهره، محاولة لدفع المنطقة والعالم نحو صفقة كبرى مع الجماعة، تقوم على الاعتراف بها كطرف سياسي داخلي مع إسقاط تبعيتها لإيران. وهذا ليس مجرد خطأ في التقدير، بل هو خدمة مباشرة للمشروع الإيراني، الذي يريد تحويل اليمن إلى قاعدة خلفية لتهديد الممرات المائية والنفطية، والضغط على دول الخليج من الجنوب. وبقاء الحوثيين بهذه الصورة يعني بقاء البوابة الخلفية للنظام الإيراني في الجزيرة العربية، وتمكينه من تنفيذ أجندته التوسعية التي تستهدف تفكيك الأمن القومي العربي من الداخل.

الحقيقة التي يجب ألا تغيب عن أي مراقب موضوعي أن المليشيات الحوثية ليست مجرد جماعة متمردة، بل هي نسخة طبق الأصل من الحرس الثوري الإيراني على الصعيدين العقائدي والسياسي والأمني والعملياتي، وأن أي حديث عن تحالف مؤقت أو تأثر غير مباشر هو تدليس خطير؛ يهدف إلى تخفيف الضغط عن هذه المليشيات وإطالة عمرها إلى أن تنتقل إلى مرحلة جديدة أكثر قدرة على التهديد والابتزاز. والخطر الذي تشكله ليس مقتصرًا على اليمن فقط، بل هو خطر على الأمن القومي العربي، وعلى استقرار الخليج، وعلى حرية الملاحة الدولية، ولن يتوقف هذا الخطر ما دام النظام الإيراني القائم على ولاية الفقيه مستمرًا في سياساته التوسعية، وما دام الحوثيون ذراعه الممدودة في جنوب الجزيرة العربية. ومواجهة هذا الخطر تتطلب وعيًا استراتيجيًا لا يصادر الحقائق ولا يخضع لضغوط التسويات، فالمشروع الحوثي مشروع إيراني بامتياز، مهما حاول البعض تزييف الحقائق وتبييض الوجه الطائفي للمليشيات، التي تكشف أفعالها اليومية عن حقيقتها أكثر من أي تحليل أو بيان سياسي أو فذلكة إعلامية.