إيران والحوثي.. معركة باب المندب
لم يعد تهديد مليشيات الحوثي للساحل الغربي وباب المندب مجرد فصل من فصول الحرب اليمنية، بل أصبح جزءاً من صراع جيوسياسي أوسع تتداخل فيه المصالح الإيرانية مع أمن البحر الأحمر والتجارة الدولية والطاقة العالمية وهذا يتوافق مع سياسة الابتزاز التي يتبعها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي صرح بأن الحوثيين تواصلوا مع الإدارة الأمريكية وأبلغوها بأنهم لن يستهدفوا الملاحة الدولية او السفن العابرة للمضيق باستثناء دولة واحدة و المقصود هنا هي "المملكة العربية السعودية"، وهذا يخدم كلا من ايران و امريكا فكلاهما له اطماعه و مبرراته و بخاصة مع استهداف خط تصدير النفط شرق غرب باتجاه ميناء ينبع على البحرالأحمر من قبل الميليشيات العراقية الإيرانية.
ولذا فالموقع الجغرافي لليمن، وإشرافه على باب المندب وخليج عدن، يمنح الطرف المسيطر على الساحل الغربي قدرة استثنائية على التأثير في أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
وتزداد خطورة هذا التهديد بالنظر إلى اتساع نطاق السيطرة الحوثية على الساحل والجزر والمناطق القريبة من باب المندب، فقد تمكنت مليشيات الحوثي من بسط سيطرتها على مواقع وجزر ذات أهمية استراتيجية، من بينها جزيرة ميون التي تتوسط باب المندب وتتحكم في ممراته البحرية، إلى جانب جزر زقر وحنيش في جنوب البحر الأحمر، فضلاً عن سيطرتها على مديريات حيس والخوخة والمخا وذو باب ومناطق واسعة من الساحل الغربي.
وهذه السيطرة تمنح الحوثيين عمقاً جغرافياً وبحرياً بالغ الأهمية، لأنها لا تقتصر على السيطرة على مدن ومناطق ساحلية، وإنما تمتد إلى مواقع وجزر يمكن أن تؤثر في حركة الملاحة داخل البحر الأحمر ومداخل باب المندب. ومن هنا فإن المسألة تتجاوز مفهوم السيطرة على الأرض إلى امتلاك أدوات ضغط على البحر والممرات الدولية،
ولا يمكن قراءة هذا التمدد الحوثي بمعزل عن الاستراتيجية الإيرانية في المنطقة، فإيران التي تمتلك موقعاً مؤثراً على مضيق هرمز، عملت عبر حلفائها ووكلائها على بناء نفوذ مقابل في جنوب البحر الأحمر، بما يمنحها قدرة على الضغط على مسارات التجارة والطاقة التي تربط آسيا بأوروبا.
إن السيطرة الحوثية على ميون وزقر وحنيش والمناطق الساحلية الممتدة من ذو باب إلى المخا والخوخة وحيس تمنح المشروع الإيراني فرصة لبناء نفوذ استراتيجي على الضفة الآسيوية للبحر الأحمر. ولذلك فإن السؤال لم يعد فقط: ماذا يريد الحوثيون من باب المندب؟ بل أصبح: إلى أي مدى تستطيع إيران استخدام الحوثيين للسيطرة على أهم مفاتيح البحر الأحمر؟
وتكمن الخطورة في أن الحوثيين لا يحتاجون إلى إغلاق باب المندب بصورة كاملة حتى يحققوا أهدافهم، فمبجرد امتلاك القدرة على تهديد السفن أو الملاحة أو فرض بيئة أمنية خطرة حول المضيق يمكن أن يدفع شركات النقل الدولية إلى تغيير مساراتها، ورفع تكاليف التأمين والشحن، وإعادة حساباتها التجارية،
وبذلك يتحول الساحل الغربي من جبهة عسكرية يمنية إلى ورقة جيوسياسية في يد إيران.
فالمخا وذو باب وحيس والخوخة ليست مجرد مناطق جغرافية في خارطة الحرب اليمنية، وإنما تقع ضمن منظومة جغرافية متصلة بالساحل وباب المندب، أما ميون فتكتسب أهمية استثنائية بسبب موقعها داخل المضيق، بينما تمثل زقر وحنيش امتداداً استراتيجياً في جنوب البحر الأحمر، ومن يسيطر على هذه المواقع يمتلك قدرة أكبر على مراقبة الحركة البحرية وتهديدها والتأثير في البيئة الأمنية المحيطة بالممر الدولي.
لقد أثبتت التجربة أن طهران تتعامل مع الجغرافيا الإقليمية باعتبارها شبكة مترابطة من نقاط الضغط، وفي اليمن تحديداً، يمثل الحوثيون أداة استراتيجية تسمح لها بالوصول إلى البحر الأحمر من خلال قوة محلية مسلحة تمتلك الصواريخ والطائرات المسيّرة والقدرة على تهديد الملاحة،
ومن هنا فإن السيطرة الحوثية على الساحل والجزر ليست شأناً يمنياً داخلياً فقط، وإنما تمثل امتداداً لمشروع إقليمي يسعى إلى توسيع النفوذ الإيراني من الخليج العربي إلى البحر الأحمر، وخلق قدرة على الضغط على واحد من أهم الممرات البحرية في العالم.
وتزداد أهمية هذه المعادلة بالنسبة للسعودية، لأن البحر الأحمر يمثل امتداداً استراتيجياً لأمنها الوطني والاقتصادي، خصوصاً مع أهمية موانئها الغربية ومسارات تصدير الطاقة، ولذلك فإن استمرار التهديد الحوثي لباب المندب والساحل الغربي يمكن أن يتحول إلى ضغط مباشر على أمن الطاقة وحركة التجارة السعودية، فضلاً عن تأثيراته على بقية دول المنطقة،
أما بالنسبة للمجتمع الدولي، فإن استمرار تهديد باب المندب يعني تهديداً لسلاسل الإمداد العالمية. فأي اضطراب في هذا الممر يدفع السفن إلى البحث عن طرق بديلة أطول وأكثر كلفة، وينعكس على أسعار النقل والتأمين والطاقة والسلع.
لكن حماية الملاحة لا يمكن أن تكون عملية بحرية فقط. فالأساطيل الدولية تستطيع حماية بعض السفن ومواجهة بعض التهديدات، لكنها لا تستطيع معالجة المشكلة من جذورها ما لم تتم معالجة مصدر التهديد على الأرض.
وهنا تأتي أهمية القوات المسلحة اليمنية،
إن استعادة الساحل الغربي لم تعد مجرد هدف عسكري لتحرير الأراضي اليمنية، وإنما أصبحت ضرورة لحماية الأمن القومي اليمني ومنع تحويل الجغرافيا اليمنية إلى منصة للمشروع الإيراني في البحر الأحمر.
ولذلك فإن المرحلة المقبلة تتطلب إعادة ترتيب القوات الحكومية وتوحيد قرارها العسكري والسياسي، والانتقال من حالة الدفاع ورد الفعل إلى المبادرة والهجوم المضاد، مع إعطاء أولوية استراتيجية لاستعادة المخا وذو باب وحيس والخوخة والمناطق الساحلية والجزر ذات الأهمية الاستراتيجية، وتأمين الطريق إلى باب المندب،
فالهدف لا ينبغي أن يكون مجرد استعادة مدينة أو مديرية، وإنما قطع الطريق أمام تحويل الساحل والجزر اليمنية إلى ذراع بحرية للمشروع الإيراني.
كما أن استعادة الساحل يجب أن تترافق مع تأمين الموانئ والجزر والممرات البحرية، وبناء قدرة يمنية مستدامة لحماية المياه الإقليمية، لأن استمرار الفراغ الأمني في هذه المناطق سيعيد إنتاج التهديد حتى بعد استعادة بعض المواقع،
وفي هذا السياق، تبرز أهمية القرار الدولي 2216 باعتباره إطاراً سياسياً وقانونياً لاستعادة مؤسسات الدولة اليمنية وإنهاء الانقلاب، إذ لا يمكن تحقيق أمن مستدام في البحر الأحمر بينما تظل أجزاء استراتيجية من الساحل اليمني والجزر القريبة من باب المندب خارج سيطرة الدولة، و إن المعركة على باب المندب هي في جوهرها معركة على من يمتلك قرار البحر الأحمر.
فإما أن يبقى باب المندب ممراً دولياً مفتوحاً تحكمه قواعد الملاحة والقانون الدولي وسيادة الدولة اليمنية، أو يتحول تدريجياً إلى ورقة ضغط تستخدمها إيران عبر الحوثيين لتحقيق أهداف تتجاوز حدود اليمن.
ومن هنا فإن مواجهة المشروع الحوثي على الساحل الغربي ليست حرباً داخلية معزولة، وإنما مواجهة مع مشروع جيوسياسي يسعى إلى توسيع النفوذ الإيراني من الخليج العربي إلى البحر الأحمر، وربط جبهتي هرمز وباب المندب ضمن شبكة واحدة من أوراق الضغط الاستراتيجية.
ولهذا فإن استعادة ميون وزقر وحنيش والمخا وذو باب وحيس والخوخة وتأمين الساحل الغربي وباب المندب يجب أن تكون في صدارة الأولويات اليمنية والإقليمية والدولية. فترك الحوثيين يرسخون وجودهم في هذه المواقع يعني منح إيران ورقة استراتيجية إضافية، بينما استعادة الساحل والجزر تعني قطع أحد أهم خطوط النفوذ الإيراني، وإعادة البحر الأحمر إلى وظيفته الطبيعية كممر للتجارة والسلام، لا كساحة للابتزاز والصراع الجيوسياسي.
أكاديمي ومحلل سياسي يمني