الجميع يصرخ ويطالب: إما دولة تحمي الإنسان وترد له اعتباره، أو ثورة تصحيح جذرية تعيد وجه الوطن المغتصب

الجميع يصرخ ويطالب: إما دولة تحمي الإنسان وترد له اعتباره، أو ثورة تصحيح جذرية تعيد وجه الوطن المغتصب
مشاركة الخبر:

​في خريطة الموت المترامية الأطراف التي خطتها أصابع المليشيات، لم يعد اليمن مجرد رقعة جغرافية مزقتها الصراعات، بل تحول إلى أكبر معتقل مفتوح في تاريخ الإقليم المعاصر. مليون مواطن اقتلعوا من جذورهم قسرًا نحو الشتات، وخمسة ملايين إنسان يتدثرون بوجع الخيام في العراء، رهائن لعصابات أسقطت الدولة وحولت الحياة المدنية إلى حقل ألغام بشري.
​وفي المقابل، تقف القيادة الشرعية عند محطة انتظار طويلة، تتأرجح بين وعود دولية مفرغة واتفاقيات تسوية لا تطعم جائعًا ولا تعيد نازحًا. 
هذا التحقيق يفتح الملفات الساخنة، ويواجه الحقيقة العارية: اليمن لا يحتمل مزيدًا من الهدن المؤقتة، فالوطن يستحق دولة حقيقية، لا حربًا مفتوحة أو انتظارًا بلا نهاية.

عندما يتحول المواطن إلى لاجئ في وطنه
​د. عبد الله الماوري، أستاذ العلوم السياسية وعضو مركز الدراسات الاستراتيجية قال:​"ما يحدث ليس مجرد تداعيات جانبية للحرب، بل هو سياسة تهجير قسري ممنهجة ومدروسة بعناية من قبل الميليشيات الحوثية. استهداف البنية الاجتماعية والاقتصادية للقرى والمدن يهدف إلى تفريغ الحاضنة الجغرافية وتغيير ديموغرافيا السكان. إن وجود خمسة ملايين نازح في المخيمات ليس رقمًا عابرًا، بل هو دليل إدانة صارخ على فشل المجتمع الدولي وتقاعس الشرعية في حماية مواطنيها. عندما يُترك الإنسان اليمني بلا سقف ولا أمان، فإن المشروع الوطني بأكمله يتعرض لتآكل بطيء من الداخل."

​زراعة الموت وإغتيال مستقبل الجغرافيا اليمنية
​ العقيد المهندس فؤاد الحالمي، الخبير العسكري في نزع الألغام يقول:​"نحن لا نحارب عدواً تقليدياً، بل نحارب تنظيماً عقائدياً زرع الأرض بما يزيد عن مليون لغم وعبوة ناسفة. لقد تم تحويل المدارس، والمزارع، والطرقات، وحتى أبواب المنازل إلى فخاخ موت عمياء. الحوثيون لم يزرعوا الألغام لكسب معركة عسكرية مؤقتة، بل لضمان استمرار الموت حتى بعد تحرير الأرض، ولحرمان ملايين اليمنيين من العودة إلى ديارهم وقراهم. إزالة هذا الإرث الدموي تحتاج إلى عقود، وإذا لم تتحرك القيادة الشرعية بقرار سيادي حاسم ودعم دولي مكثف لإنقاذ الأرض، فإن الجغرافيا اليمنية ستظل رهينة للألغام لجيل كامل."

​خذلان الوعود الدولية وطول الانتظار
الأستاذة أسماء القيسي، الناشطة الحقوقية والباحثة في الشأن السياسي قالت:​"لقد استمرأ قطاع واسع من القيادة الشرعية حالة الجمود السياسي والتعويل الدائم على المبادرات الخارجية التي ولدت عمياء وماتت قبل أن تلد حلولاً حقيقية. الاتفاقيات الدولية أثبتت مرارًا وتكرارًا أنها مجرد مسكنات تمنح الميليشيات مزيدًا من الوقت لترتيب صفوفها واقتصاد حربها. طفل يمني يموت في خيمة بردًا أو جوعًا، وأم تحترق بنار الفقد، لا يعنيهم الصمت الدبلوماسي. المطالبة اليوم بتحمل المسؤولية الوطنية لم تعد ترفًا سياسيًا، بل هي واجب وطني وأخلاقي ملزم؛ فإما أن تستعيد الشرعية زمام المبادرة وتفرض معادلة الدولة، أو تسقط شرعيتها تمامًا أمام شعب يكتوي بنار الانتظار بلا نهاية."

​ كيف تستثمر المليشيات في تجويع الشعب وتشريده؟
الاستاذ/ مراد العبسي، المحلل الاقتصادي والمالي قال:
​"حين نتحدث عن مليون مهاجر قسري وخمسة ملايين نازح، فإننا نتحدث في الكواليس عن أضخم اقتصاد موازي تقوده المليشيات عبر مصادرة الأملاك، وفرض الجبايات، والسيطرة على المساعدات الإنسانية.
النزوح في اليمن ليس مأساة إنسانية فحسب، بل هو نموذج اقتصادي يعتمد على تجريف الثروات وتفقير المجتمع لضمان تبعيته المطلقة لسيطرة الجماعة. 
إن بقاء ملايين اليمنيين في المخيمات يخدم استراتيجية الاستنزاف التي تمارسها الميليشيات، وهذا يفرض على مؤسسات الدولة الشرعية نقل المعركة من الميدان العسكري التقليدي إلى حرب استعادة الاقتصاد وحماية معيشة المواطنين."

​ اليمن يستحق دولة لا حربًا بلا أفق
الشيخ منصور الوجيه، الشخصية الوطنية والبرلمانية قال: 
​"صبر اليمنيين ليس ضعفًا، بل هو حرص على بقاء هذا الكيان، لكنه صبر بلغ حافة الانفجار. لقد أثبتت التجربة أن الميليشيات لا تفهم سوى لغة القوة وحسم القرار، وأن الرهان على السلام مع جماعة عقائدية تؤمن بالحق الإلهي في الحكم هو وهم سياسي. 
على القيادة الشرعية أن تدرك أن التاريخ لن يرحم المترددين. اليمن يستحق دولة ذات سيادة تحمي مواطنيها، لا دويلة مليشياوية ولا حالة حرب مفتوحة بلا أفق أو نهاية. حان وقت الحسم، فإما استعادة الدولة بكل مؤساتها، أو ضياع الوطن إلى الأبد."

​الختام
​إن المأساة اليمنية اليوم تجاوزت حدود الأزمة الإنسانية لتصبح اختبارًا وجوديًا للشرعية وللضمير الإنساني العالمي. مليون مغترب قسراً، وخمسة ملايين نازح في مهب الريح، وأرض مسيجة بملايين الألغام، كلها شواهد ناطقة على أن سياسة الانتظار والاتفاقيات الورقية قد فشلت سقوطاً مدوياً. لم يعد مقبولاً بقاء الشعب رهينة لمعادلات إقليمية ودولية لا تهدف سوى لإدارة الأزمة لا إنتهائها. 
اليمن برغم وجعه لم يمت، وهو يرفع صوته اليوم بوضوح لا تقبل التأويل: إما دولة تحمي الإنسان وترد له اعتباره، أو ثورة تصحيح جذرية تعيد وجه الوطن المغتصب.