حين تصبح الكراسي أثقل من هموم الوطن .. ثمانية رؤوس وألف مستشار

حين تصبح الكراسي أثقل من هموم الوطن .. ثمانية رؤوس وألف مستشار
مشاركة الخبر:

​في بلادٍ علّمها الدهر كيف تحصي أنفاسها لا أيامها، وكيف تبحث عن قطرة الماء وسط سراب الصحراء، يبدو المشهد السياسي كأنه كوكبٌ آخر يدور في فلك منفصل عن الواقع. هناك، حيث تتسابق الكراسي وتتوالد المناصب بطريقة تخجل منها حتى خلايا جسم الإنسان، 
يعتقد السادة المسؤولون أن أكبر معركة يمكن أن يخوضها التاريخ هي معركة "توزيع الحقائب العظمى".

​ثمانية رؤوس... وألف مستشار!
​إذا كان "مجلس القيادة" الموقر يتكون من رأسٍ كبير وسبعة نواب يملأون الأفق، فلماذا نشعر أن الوطن تحول إلى شركة مساهمة كبرى لمجلس إدارةٍ متضخم؟
​الرئيس وسبع نواب: فريق يحتاج إلى ملعب كرة قدم كامل ليتمكنوا من التقاط صورة جماعية.
​جيش الجرارين من المستشارين: مستشار للشؤون الصغيرة، ومستشار للشؤون الضئيلة، وآخر لشؤون لا شيء على الإطلاق!
​وكأن الأزمات الاقتصادية وتهاوي العملة وانقطاع الكهرباء كانت تختفي تمامًا لو أننا أضفنا مستشاراً ثامناً أو وكيلاً عاشراً! يبدو أن صُنّاع القرار في هذا الزمن يعتنقون نظرية فيزيائية فريدة: "كلما زاد عدد المستشارين في قصر الرئاسة، كلما انخفضت أسعار السلع في السوق بشكل سحري".

​المواطن والشاشات: كوميديا سوداء على الهواء مباشرة
​بينما كان الوطن يلملم شظاياه، وتتساقط دماء الأبرياء تحت دوي القصف، كان المواطن البسيط يسمّر عينيه على شاشة التلفزيون أو هاتفه الذكي، منتظراً كلمة حق، أو قراراً يوقف النزيف، أو حتى عزاءً يليق بحجم الكارثة.
ولكن، ماذا وجد؟
​وجد فيضاً من الأخبار البروتوكولية والتهاني العطرة.
​قائمة طويلة من التعيينات البراقة والقرارات السيادية المستعجلة... لتعيين فلان وعلان في مناصب شرفية تدر عليهم آلاف الدولارات، بينما ينام المواطن على أمل أن يجد ثمن حبة دواء لوالدته المسنة.
​"يا رشاد العليمي، الوطن لا يحتاج إلى طاولة تفصيلٍ جديدة، ولا إلى مكاتب فاخرة تُفرش في العواصم البعيدة؛ الوطن يحتاج إلى من يشعر بوجع طفلٍ يبحث عن دفتر وقلم في حقيبة بالية".

​ماذا تغيّر في حياة الناس؟
​سؤال بسيط وموجع: ما الذي تغيّر؟ ​هل وجد المريض دواءه في المستشفيات الحكومية التي تشبه القبور المفتوحة؟
​هل تراجع طابور الغاز الطويل الذي يصطف فيه المواطن ليمضي نصف عمره؟
​هل عاد الأطفال إلى مدارس آمنة لا تسقط سقوفها على رؤوسهم؟
​الجواب الصادم: لا شيء تغيّر... سوى أرقام الحسابات البنكية للمحظوظين، وأحجام سيارات المركبات الفارهة التي تمر برشاقة فوق وجع الشوارع المكسورة.

​فاتورة العبث
​الأموال التي تُهدر على الرواتب الخيالية، والامتيازات السيادية، والأسفار الدبلوماسية تحت عنوان "مستشار"، هي في الحقيقة دماء مسفوكة من لقمة عيش المواطن. لو أن جزءًا يسيرًا من هذه الموازنة الفلكية صُرف على الإنسان، على حفر بئر ماء، أو بناء مدرسة، أو إنقاذ قطاع الصحة المنهار، لكان وجه البلاد غير هذا الوجه المعبّس بالأسى.
​لكن يبدو أن حسابات الكراسي تختلف تمامًا عن حسابات الجياع. فالكراسي تُصنع من مخملٍ سميك يعزل من يجلس عليها عن صقيع الشوارع وحرارة المعاناة، وتجعل صاحبها أصمّ لا يسمع سوى صدى تصفيق الحاشية.

​نحو وطن الإنسان: كيف نخرج من دوامة العبث الإداري؟
​إن استمرار هذا النهج العبثي في إدارة الدولة لا يمثل فقط استفزازًا لمشاعر المواطنين، بل يشكل خطرًا وجوديًا على ما تبقى من مقومات البنية المؤسسية والاقتصادية للبلاد. ولأن التشخيص وحده لا يكفي، فإن الخروج من هذا النفق المظلم يتطلب العودة إلى بوصلة الأولويات ووضع حلول جادة وعملية وقابلة للتطبيق، تتمثل فيما يلي:
​إعلان حالة تقشف حكومي شامل: 
وقف فوري لكافة التعيينات في المناصب الاستشارية العليا والوظائف الشرفية التي لا تقدم قيمة حقيقية لعمل المؤسسات، وتحويل موازنات هذه الامتيازات لصالح الصناديق الخدمية والإنسانية المباشرة.
​إعادة هندسة الهيكل الإداري: 
التقليص العاجل لترهل المؤسسات الحكومية، ودمج الهيئات واللجان المتداخلة الصلاحيات، واعتماد معايير الكفاءة والشفافية المطلقة بدلاً من المحاصصة السياسية الضيقة والمحسوبيات.
​توجيه الموارد نحو قطاع الخدمات الأساسية: 
ربط أي قرار مالي حكومي بالأثر المباشر على حياة المواطن؛ بحيث تكون الأولوية القصوى لقطاعات الصحة، والتعليم، والمياه، والكهرباء.
​تفعيل أدوات الرقابة والمساءلة: 
إنشاء هيئات رقابية مستقلة ونزيهة لمراجعة أوجه صرف المال العام، ووقف أي نزيف مالي في النثريات والبدلات والأسفار الخارجية غير الضرورية.
​صياغة عقد اجتماعي جديد: 
الاعتراف بأن الشرعية الحقيقية لأي سلطة تستمد من قدرتها على حماية كرامة المواطن وتوفير العيش الكريم له، وجعل الإنسان هو الغاية والوسيلة.

​رسالة أخيرة:
الكراسي زائلة، والأسماء تتلاشى في زحمة الذاكرة المجروحة، والتاريخ لا يرحم من فرّط في دمعة طفلٍ ليشتري بها ولاءً سياسياً عابراً. وحين يدرك المسؤولون أن الكرسي تكليف وطني وأمانة ثقيلة لا امتيازًا شخصيًا، حينها فقط يمكن للطفل أن يجد دفتره، وللمريض دواءه، وللوطن أن يستعيد عافيته المفقودة.