جغرافيا العبث المليشياوي .. حين تتحول بوصلة الصواريخ من تل أبيب إلى دماء اليمنيين
في المشهد السياسي والعسكري المعاصر، نادرًا ما يشهد التاريخ الحديث مفارقات بوجوه ساخرة ومأساوية في آن واحد، كفصول الخطاب المزدوج الذي تمارسه مليشيا الحوثي في اليمن. فبينما تواصل الآلة الإعلامية للمليشيا الترويج لشعارات رنانة تدعي مناهضة الاحتلال ومقارعة القوى الكبرى، تأتي الحقائق الميدانية لترسم واقعًا مختلفًا تمامًا؛ واقعًا تتوه فيه الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة في رحلة بحث وهمية عن «تل أبيب»، لتستقر بفعل «عور جغرافي» متعمد أو قاصر في قلب الأعيان المدنية والبنية التحتية اليمنية، متخذة من مأرب والمخا والضالع وجضرموت مسرحًا لتفريغ شحنات الفشل والدمار.
بين الشعارات والميدان: سقوط السردية التعبوية
من الناحية الاستراتيجية، تعتمد الجماعات الايديولوجية المتطرفة على التعبئة العاطفية وإلهاء الحاضنة الشعبية بشعارات جوفاء مثل «الموت لأمريكا، الموت لإسرائيل». غير أن التجربة العملية أثبتت بالمحسوس أن هذه الشعارات ليست سوى غطاء أيديولوجي لتثبيت السيطرة الداخلية، وقمع أي تطلع يمني نحو الاستقرار والتنمية.
وعندما توجّه المليشيا ترسانتها العسكرية نحو المدن اليمنية الآمنة، فإنها لا ترتكب مجرد خطأ تكتيكي، بل تكشف عن العورة الاستراتيجية لمشروعها؛ فهي جماعة نشأت وتغذت على الاقتتال الداخلي وتدمير مقدرات الدولة، ولذلك فإن طبيعتها التدميرية تجد بيئتها الحاضنة في استهداف الإنسان اليمني واقتصاده ومقدراته، لا في مواجهة خصومها الخارجيين المفترضين.
تدمير المكتسبات الوطنية تحت يافطة "المقاومة"
إن استمرار القصف الموجه نحو المناطق المأهولة بالسكان، ومحطات الوقود، والمستشفيات والمرافق الحيوية في مأرب والمخاء وغيرها من المدن اليمنية، يعكس بدلاء سياسية وعسكرية خاوية تعجز عن بناء مشروع دولة، فتلجأ بالمقابل إلى استثمار الدم اليمني لتعزيز قبضتها الأمنية.
هذا السلوك يعري الادعاءات الزائفة برفع لواء قضايا الأمة الكبرى، إذ كيف يُعقل لمن يدعي السعي لتحرير الأقصى أن يبدأ بتدمير بيوت ومزارع أبناء شعبه، وتحويل العائلات اليمنية إلى نازحين ولاجئين داخل وطنهم؟
إن النتيجة الحتمية لهذا العبث العسكري هي تكريس أزمة إنسانية عميقة، وإطالة أمد الحرب، وإجهاض أي مساعٍ وطنية أو إقليمية لإيجاد تسوية سياسية عادلة تنهي معاناة الملايين.
المليشيا كعدو داخلي مستدام
في القراءة التحليلية العميقة للوضع اليمني الراهن، يتأكد أن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في تداعيات الانقلاب على مؤسسات الدولة، بل في إعادة هندسة الوعي المجتمعي عبر شعارات مضللة تغطي على كارثة الاحتلال الداخلي. فالشعارات المرفوعة في خطب الجمعة واللوحات الشارعية باتت تفضحها دماء الأبرياء وحطام المنازل في محافظات اليمن الحرة.
وحين تصبح "مأرب" والمخا وشبوه وتعز هدفًا دائمًا لغضب الميليشيا بدلًا من الوجهات الافتراضية المعلنة، فإن الحقيقة الساطعة التي يدركها كل مواطن يمني هي أن هذا المشروع لا يملك في جعبته سوى الدمار، وأن أي حديث عن التحرير والسيادة يسقط سقوطًا مدويًا أمام أول اختبار تختبر فيه المليشيا كفاءة صواريخها على صدور أبناء جلدتها.