كواليس وزارة المالية.. أين تذهب حقوق الموظفين، ولماذا تتجدد أزمات «النازحين» بلا حلول؟
تتجدد معاناة عشرات الآلاف من الموظفين الحكوميين الذين فرّوا وظلت رواتبهم ومعاشاتهم معلقة تحت مسمى «النازحين»، وسط دائرة مغلقة من العراقيل والتلاعب المالي المتعمد داخل أروقة وزارة المالية. وفي وقت تتسع فيه رقعة الاستياء الشعبي والنقابي، تبرز أصوات ومطالب جادة تكشف عن وجود شبكة نفوذ أو «لوبي» داخلي متجذر يعمل على إفشال أي محاولات إصلاحية، ويضع العراقيل تلو الأخرى أمام أي وزير جديد يأتي لإدارة الوزارة، بهدف إبقاء مصالحهم ومكتسباتهم الشخصية فوق مصالح المواطنين.
بين مطرقة وزير المالية وسندان «اللوبي» المتنفذ
تؤكد المعطيات والشهادات الحية من داخل قطاع الخدمة المدنية والمالية أن الوزراء المتعاقبين على حقيبة وزارة المالية غالباً ما يجدون أنفسهم محاصرين بمنظومة إدارية ومالية مغلقة أُرسيت قواعدها منذ فترة الإدارات السابقة، وفي طليعتها إرث الإدارة المحسوبة على الوكيل السابق سالم بن بريك ومن دار في فلكه.
يشير مراقبون ومتابعون للشأن المالي إلى أن هناك فئة متنفذة داخل مفاصل الوزارة الحساسة (قطاع الحسابات، والموازنة، والخزينة) لا تزال تدير المشهد من خلف الكواليس، مستغلة روتين الإجراءات لعرقلة معاملات الصرف، وتحويل الوزارة من مؤسسة خدمية تنموية إلى قلعة محصنة للمصالح الضيقة.
هذا الواقع يجعل أي وزير جديد، أمثال الدكتور مروان (الذي يعلق الشارع آمالاً على نزاهته وكفاءته)، في مفترق طرق خطير: إما تفكيك هذه الشبكة ومواجهة تبعاتها الثقيلة، أو الاستمرار في دائرة العجز التي يسعى هذا «اللوبي» لتوريط الإدارة الجديدة فيها، لتتحمل وزر الإساءة إلى السمعة والتاريخ النظيف.
قضية الموظفين النازحين: حقوق مسلوبة ومعاناة إنسانية
لا تقتصر أزمة التلاعب المالي على بطء الإجراءات، بل تمتد لتطال صلب الحقوق الدستورية والقانونية للموظفين الحكوميين المدنيين والعسكريين الذين اضطرتهم ظروف الحرب للنزوح قسراً إلى مناطق سيطرة الشرعية.
حرمان مكفول بقوة القانون
يتعرض هؤلاء الموظفون لتعسف ممنهج يمنع استقرار صرف مرتباتهم بصورة منتظمة، رغم أن صرف المرتبات حق أصيل ومكفول بالقانون والدستور، ولا تقبل إيقافه أي مبررات سياسية أو إدارية.
نهب البدلات والمستحقات
لم يكتفِ هذا التعنت بحجز المرتبات الأساسية أحياناً، بل تعداه إلى مصادرة تامة وشاملة لحقوقهم العادلة في بدلات غلاء المعيشة، وبدلات السكن، وغيرها من العلاوات السنوية والتسويات التي أقرها القانون لمجابهة الانهيار الاقتصادي الفادح والغلاء الجنوني للأسعار.
سياسة التضليل الممنهج
يعمد المتنفذون في المالية إلى خلق أزمة ثقة مفتعلة بين الموظفين والوزير الحالي، من خلال ترويج أن قرار إيقاف الصرف أو تعطيل المستحقات صادر بتوجيهات عليا من قيادة الوزارة، في حين أن الحقيقة تؤكد أن هناك عراقيل ومطبات متعمدة يضعها «اللوبي» الإداري لتعطيل استلام المستحقات واستنزاف طاقات الموظفين.
نداء أخير وموقف حاسم
إن استمرار هذا الوضع الكارثي في وزارة المالية لم يعد مقبولاً ولا مسكوتاً عنه. وعليه، تتوجه الفئات المتضررة والقيادات المجتمعية برسالة صريحة وشفافة إلى قيادة الوزارة الحالية:
«إن الاستمرار في الاعتماد أو الرضوخ لسياسات اللوبي القديم لن يؤدي إلا إلى تكريس الفشل والإساءة المباشرة لتاريخ وطني ناصع.
الفرصة متاحة اليوم لتطهير مفاصل المالية، وكشف خيوط هذا التلاعب الممنهج أمام الرأي العام، ورد الاعتبار لعشرات الآلاف من الموظفين النازحين الذين أثقلت كاهلهم نكبة الحرب وغدر الروتين الإداري».
إن إنصاف الموظفين الحكوميين وصرف مرتباتهم وبدلاتهم كاملة دون نقصان لم يعد مجرد مطلب إداري، بل هو اختبار حقيقي لسيادة القانون والعدالة الاجتماعية في البلاد.