ماذا لو تحررت الحديدة؟ قراءة في المفاتيح الاستراتيجية والتداعيات المنتظرة

منذ 59 دقيقة
مشاركة الخبر:

سؤال المعركة المصيرية
ماذا لو تحررت الحديدة؟
ليس السؤال افتراضًا عسكريًا عابرًا، بل سؤالًا استراتيجيًا يرتبط بمستقبل الحرب اليمنية وموازين القوى فيها، ومع تصاعد المواجهات في جبهة البرح والساحل غربي تعز، والتحشيد الحوثي في البرح ومقبنة وحيس، يعود الساحل الغربي إلى واجهة المشهد باعتباره أحد مفاتيح الصراع.
فالحديدة ليست مجرد محافظة ساحلية أو ميناء تجاري، بل مركز ثقل اقتصادي وعسكري وسياسي، وموقع متصل مباشرة بأمن البحر الأحمر وباب المندب، ولذلك فإن تحريرها، إذا تحقق، سيكون تحولًا نوعيًا في مسار الحرب، وليس مجرد مكسب ميداني.
الحديدة: مركز الثقل الحوثي
تجمع الحديدة بين ثلاثة أبعاد استراتيجية: الاقتصاد، والجغرافيا العسكرية، والموقع البحري والسياسي.
اقتصاديًا، تمثل موانئها ومنافذها التجارية مصدرًا مهمًا للإيرادات وحركة السلع والوقود، والسيطرة عليها تمنح الطرف المسيطر موارد وقدرة على تمويل مؤسسات الحرب.
وعسكريًا، يوفر الساحل الغربي عمقًا جغرافيًا ومنافذ بحرية ومساحات للحركة والانتشار، كما يرتبط بجبهات تعز وإب وحجة.
وسياسيًا، تمنح السيطرة على الحديدة الحوثيين ورقة تفاوضية مهمة، فضلًا عن موقعها المؤثر في أمن الملاحة الدولية والبحر الأحمر وتهديد ميناء ينبع رئة السعودية والعالم لتجاوز معظلة مضيق هرمز فهو يمتلك قدرة تصديرية بحوالي سبعة مليون برميل نفط يوميًا.
ومن هنا فإن معركة الحديدة ليست معركة على مدينة، وإنما على مركز ثقل استراتيجي ونقطة انطلاق للزوارق المفخخة والمسيرات باتجاه الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب ومينائي جدة وينبع والمخا.
مقبنة والبرح: بوابة التحول وفاتحة التحرير  
إذا كانت الحديدة هي الهدف الاستراتيجي، فإن مقبنة والبرح تمثلان جزءًا مهمًا من الطريق إليه، فمديرية مقبنة تتحكم في موقع مؤثر على خطوط الاتصال بين المرتفعات والساحل وهي مفتاح تحرير مديرتي شرعب وغيرهماةفي محافظتي تعز وإب.
وتمثل منطقة البرح ومفرق المخا محورًا يربط تعز بالساحل الغربي ويتيح خيارات للتحرك شمالًا وغربا.
ولهذا تكتسب منطقة البرح ومفرق المخا أهمية إضافية من طبيعة خط السيطرة الحالي؛ إذ تتمركز القوات الشرعية في مناطق من مديريات الوازعية وموزع والمرتفعات المطلة بهما والكدحة، بينما تحتفظ مليشيات الحوثي بمدينة البرح ومصنع الأسمنت ومواقع استراتيجية محيطة بهما.
ولهذا فإن أي تحول في البرح ومقبنة لا ينبغي أن يُقرأ كتقدم تكتيكي محدود، بل كجزء من إعادة تشكيل الخريطة العسكرية لغرب تعز والساحل باتجاه محافظة الحديدة على الساحل وبالداخل وصولا الى مفرق العدين.
حيث ان الوصول إلى الحديدة يجب الا يعتمد على محور واحد، وإنما يحتاج إلى تكامل المحاور ووحدة القيادة والتنسيق العسكري والسياسي لجبهات تعز ولحج و الضالع تمتد من جبهة دمت والفاخر الى جبهات الشريجة وكرش و حيفان والتعزية والحوبان وغيرها والتي يجب ان تشتعل جميعها في وقت واحد.
ماذا يعني تحرير الحديدة عسكريًا؟
سيؤدي تحرير الحديدة وموانئها وممراتها الرئيسية إلى تغيير مهم في البيئة العسكرية للحرب، من خلال:
تقليص العمق الساحلي والمجال البحري المتاح للحوثيين.
الضغط على منظومة الإمداد والتمويل والانتشار.
الحد من قدرة الجماعة على استخدام الساحل للضغط على الملاحة الدولية.
إعادة ترتيب الجبهات الممتدة من الساحل إلى تعز وإب.
تغيير ميزان القوة وفتح خيارات سياسية جديدة.
لكن سقوط الحديدة لا يعني تلقائيًا سقوط الحوثيين؛ فالجماعة تمتلك بنية عسكرية وأمنية وشبكات نفوذ وقدرة على خوض حرب استنزاف طويلة.
لذلك يجب أن يكون تحرير الحديدة جزءًا من استراتيجية وطنية متكاملة لإنهاء الحرب.
الأثر الاقتصادي والسياسي
استعادة الموانئ وإخضاعها للدولة يمكن أن تعيد موارد جمركية وضريبية مهمة إلى الخزينة العامة، وتساعد على إعادة توجيه اقتصاد الحديدة من تمويل الحرب إلى التجارة والتنمية.
لكن قيمة التحرير ستتوقف على طريقة إدارة المرحلة التالية؛ فلا ينبغي أن تتحول الموانئ إلى غنيمة سياسية أو مصدر صراع بين القوى المناهضة للحوثيين، بل إلى مؤسسات وطنية تعمل وفق القانون وتضمن انسياب التجارة والمساعدات.
وسياسيًا، قد يؤدي تغير ميزان القوة إلى دفع الحوثيين نحو تسوية أكثر جدية، لكنه قد يؤدي أيضًا إلى تصعيد الحرب إذا لم يُربط الانتصار العسكري بمسار سياسي واضح.
فالسلام المستدام لا ينتج من القوة العسكرية وحدها، وإنما من ترجمة موازين القوة إلى تسوية سياسية قابلة للحياة.
درس نكبة اتفاق ستوكهولم
تظل تجربة اتفاق ستوكهولم بشأن الحديدة عام 2018 درسًا أساسيًا قاسيا ونكبة من خلال تفويت فرصة تحرير الحديدة وما كسبه الحوثي من ذلك.
فالاتفاق نص على وقف إطلاق النار وإعادة انتشار القوات وإدارة إيرادات الموانئ، لكنه واجه ضعفًا في آليات التنفيذ والمراقبة والعقوبات، مما سمح للحوثيين باستمرار لاثارة الخلافات وتعثر إعادة الانتشار، كما بقيت قضية تعز دون اي معالجة وركزت سيطرة الحوثي والانطلاق الى تفخيخ الملاحة الدولية في البحر وقطع شريان البر باتجاه تعز.
والدرس الأهم هو أن أي اتفاق مستقبلي حول الحديدة لا يكفي أن يكون اتفاقًا سياسيًا بل تحريرا عسكريا شاملا.
كما أن أي هدنة لا ينبغي أن تتحول إلى فرصة لإعادة بناء التحصينات أو نقل الأسلحة والمقاتلين تحت غطاء التهدئة كما حدث بعد نكبة استوكهولم.
البعد الإنساني
تبقى الحديدة اختبارًا إنسانيًا بالغ الحساسية.
فالمحافظة ذات كثافة سكانية واحتياجات إنسانية واسعة، وأي معركة داخل المدن قد تؤدي إلى خسائر كبيرة وتدمير للبنية التحتية.
ولهذا فإن حماية المدنيين وتأمين الممرات الإنسانية والحفاظ على الموانئ والمنشآت الحيوية يجب أن تكون جزءًا من التخطيط العسكري والسياسي منذ اللحظة الأولى، فالانتصار الحقيقي في الحديدة ليس السيطرة على الأرض فقط، بل تحرير الأرض وحماية الإنسان في الوقت نفسه من مليشيات الحوثي الإرهابية.
الحديدة والبحر الأحمر
يتجاوز تأثير تحرير الحديدة حدود اليمن؛ فالساحل الغربي يقع على واحد من أهم الممرات البحرية في العالم.
وإذا أُدير الساحل بعد التحرير ضمن ترتيبات أمنية وطنية وإقليمية ودولية فعالة، فقد تتحول الحديدة من مصدر تهديد للملاحة إلى عنصر في حماية التجارة الدولية وأمن البحر الأحمر وباب المندب.
وهذا يتطلب منع استخدام الموانئ والساحل لتهريب السلاح، وضمان أمن الملاحة، وبناء مؤسسات بحرية وأمنية وطنية قادرة على حماية الساحل.
ما بعد التحرير أهم من التحرير نفسه
السؤال الحاسم ليس فقط: كيف تتحرر الحديدة؟ بل: ماذا سيحدث في اليوم التالي؟
فإذا تحولت المحافظة بعد التحرير إلى ساحة صراع بين القوى المناهضة للحوثيين، أو استمرت الانقسامات العسكرية والإدارية، فقد يفقد الانتصار جزءًا كبيرًا من قيمته.
أما إذا أُديرت المرحلة التالية ضمن مشروع وطني، فيمكن أن تصبح الحديدة نقطة انطلاق لإعادة بناء الدولة.
ويحتاج ذلك إلى:
إدارة مدنية موحدة للمحافظة.
توحيد الأجهزة الأمنية والعسكرية تحت سلطة الدولة.
إعادة تشغيل الموانئ وفق القانون.
ضمان تدفق المساعدات والسلع دون توظيف سياسي.
إعادة تأهيل البنية التحتية والخدمات.
دمج المكونات المحلية في مؤسسات الدولة.
تأمين الساحل والموانئ والجزر.
منع تهريب السلاح.
تحويل اقتصاد الحديدة من اقتصاد حرب إلى اقتصاد إنتاج وتجارة وتنمية.
ربط التحرير بمسار سياسي شامل لإنهاء الحرب.
خاتمة: ماذا لو تحررت الحديدة؟
إذا تحررت الحديدة، فلن تكون المعادلة اليمنية كما كانت قبلها.
سيتغير ميزان القوة، وسيفقد الحوثيون واحدة من أهم أوراقهم الاقتصادية والعسكرية والسياسية، وستتغير الحسابات الإقليمية والدولية المرتبطة بالبحر الأحمر.
لكن تحرير الحديدة لا يعني بالضرورة نهاية الحرب؛ بل يمكن أن يكون لحظة مفصلية تفتح الطريق أمام نهايتها.
وهنا تبرز أهمية مقبنة والبرح باعتبارهما جزءًا من المعادلة الجغرافية التي تربط تعز بالساحل الغربي. غير أن تحويلهما إلى مفتاح للتحرير يتطلب استراتيجية موحدة، وقرارًا سياسيًا واضحًا، وتنسيقًا عسكريًا، ورؤية متكاملة لما بعد المعركة.
فالحديدة ليست مجرد مدينة تنتظر التحرير، بل اختبار لقدرة اليمنيين على تحويل الانتصار العسكري إلى مشروع دولة.
ولهذا فإن السؤال الأهم ليس: هل يمكن أن تتحرر الحديدة؟
بل:
هل ستكون القوى اليمنية مستعدة لليوم التالي لتحريرها؟
فالتاريخ لن يحاسب اليمنيين فقط على كيفية تحرير الحديدة، وإنما على كيفية إدارة الحديدة بعد تحريرها.

أكاديمي ومحلل سياسي جامعة تعز