شرعية البيانات العاجزة.. كيف يُسقِط الشتات السياسي ما تبقى من اليمن؟

منذ ساعة
مشاركة الخبر:

من المستغرب حقاً أن تتواصل الاعتداءات الحوثية الإرهابية على المنشآت الحيوية في المخا وعدد من الجبهات، بينما تواصل الشرعية والقوى السياسية اليمنية غرقها الدائم في بقعة الشجب والبيانات المكررة. 

إن القراءة الفاحصة لبيان الناطق الرسمي باسم الجيش، والبيان الصادر عن المصدر المسؤول في مجلس القيادة الرئاسي، ومعهما بيان الأحزاب السياسية في تعز، تكشف عن حالة مستحكمة من العجز السياسي والعسكري؛ بيانات اكتفت باجترار المواقف العامة، ودون أن تلامس الحد الأدنى من الإجراءات العملية الكفيلة بمواجهة تداعيات هذا الهجوم الإجرامي الذي ينفذه الحوثي كخدمة مكشوفة وأجندة طيعة للمصالح الإيرانية على حساب دماء الشعب اليمني ومقدراته. 

الغريب أن أحزاب تعز أعلنت دعمها الكامل للقيادتين السياسية والعسكرية، وحمّلت في الوقت نفسه مجلس القيادة الرئاسي والسلطة المحلية مسؤولية التحرك، في مفارقة عجيبة تجعل المتابع يتساءل عن الدور الذي تفترضه هذه الأحزاب لنفسها وهي الشريكة الأساسية في السلطة والممتلكة لحضور جماهيري وسياسي لاستهلاك الخطابات فقط. 

كان الأولى بهذه القوى السياسية تقديم مبادرات ميدانية حقيقية، مثل تشكيل غرفة إدارة أزمات مشتركة لمتابعة وضع المخا، وحشد الدعم لإعادة تشغيل الميناء، والمطالبة بخطة حماية عاجلة للمنشآت الإستراتيجية، وإنشاء صندوق تعويض المتضررين، إلى جانب تحرك دبلوماسي فاعل، بدلاً من الاكتفاء بالإنشاء اللغوي الذي يعلم الجميع أنه لن يترك أي أثر على المليشيا الحوثية، لأن الحوثي لا يفهم إلا لغة الواقع الميداني والتغيير في موازين القوة.

 إن الاستمرار في هذه الممارسات الشكلية يرتقي إلى مستوى التواطؤ غير المباشر، لأنه يغري المليشيا بالإمعان في استهداف شريان الحياة الاقتصادية، ما يستوجب على أحزاب تعز ومؤسسات الشرعية الخروج الفوري من مربع البيانات إلى تبني خطوات عملية تعزز الصمود وتغلق الثغرات.

ان تكرر الدعوات إلى إطلاق المعركة الشاملة في كل الجبهات، وهي دعوات تنطلق في جوهرها من إحساس وطني صادق يرغب في إنهاء الكابوس واستعادة الدولة، غير أن النوايا الحسنة والوطنية المجردة لا تصنع نصراً عسكرياً ولا تبني إستراتيجية مواجهة. المشكلة الهيكلية تكمن في أن البلاد ليست موحدة سياسياً أو جغرافياً، وبالتالي يستحيل أن يكون جيشها موحداً؛ فقد جرى تقطيع أوصال اليمن خلال السنوات الماضية إلى كانتونات متعددة، 

لكل منها قيادتها وتشكيلاتها وحساباتها الضيقة التي ترتبط في أحيان كثيرة بأجندات الممولين والمصالح المتقاطعة. ولم يكن تشكيل مجلس القيادة الرئاسي سوى مرآة صادقة تعكس هذا الشتات القائم أكثر من كونه أداة فاعلة لتجاوزه، وما يروجه البعض عن تحقق وحدة القرار بعد تغير بعض الصيغ أو المكونات ليس سوى تبسيط مخل، إذ إن استبدال القيادات لا يعني بحال من الأحوال تفكيك بنية الكانتونات المستقرة ولا تغيير مراكز النفوذ والمصالح المتباينة. والتساؤل المنطقي الذي يفرض نفسه هنا: كيف يمكن خوض معركة تحرير وطنية بجبهة مفككة وقوى لم تتحول بعد إلى جيش عقائدي ووطني موحد؟

الحل العقلاني لا يبدأ من إطلاق النار في الجبهات فقط، بل كذلك من ضبط وتوحيد بوصلة القيادة في الغرف المغلقة؛ حيث ينبغي أولاً تعديل صيغة القرار السياسي داخل مجلس القيادة ليصبح قراراً سوياً وناجزاًوموحداً، يليه مباشرة دمج كافة التشكيلات المسلحة والقوات الميدانية ضمن هيكلية وزارة الدفاع وتحت سلسلة أوامر عسكرية واحدة وواضحة. 

إن ما نشهده اليوم يبتعد كثيراً عن مفهوم المعركة الوطنية الشاملة، ويبدو في أغلب أوجهه مجرد دفاع مستميت من كل كانتون عن حدوده ومكتسباته الفئوية، وهو أمر يدركه الحوثي بدقة ويستغله بذكاء. المليشيا الحوثية لا تخوض الحرب لمجرد إسقاط الكانتونات واحداً تلو الآخر، بل توظف الضغط العسكري المكثف لتحسين شروطها التفاوضية مع الإقليم للحصول على المكاسب المادية والاعتراف السياسي، غير أن المعادلة قد تتغير تماماً إذا ما سقطت المخا وما تبقى من تعز ومأرب، حيث سنكون أمام واقع جديد يفتح الباب واسعاً أمام تقاسم الجغرافيا وفرض الانفصال كأمر واقع لا مفر منه.

 هذا السيناريو الخطر ليس غائباً عن حسابات بعض القوى الدولية والإقليمية التي قد تجد فيه المخرج الأسهل للأزمة، والخطورة هنا لا تقف عند خسارة الأرض، بل في تحول نتائج الحرب إلى هيكل سياسي دائم يشرعن التقسيم، مما يجعل استعادة الدولة شرطاً سابقاً لمعركة التحرير وليس نتيجة لها. وعليه، فإن أي حديث عن إطلاق الجبهات قبل توحيد القرار السيادي والعسكري ليس إلا محاولة للهروب إلى الأمام وضجيجاً بلا طائل.