الدخان يرتفع وقوارب الرزق تحترق.. هكذا تحارب المليشيا أمريكا وإسرائيل في لقمة عيش الصيادين في المخا

مشاركة الخبر:

على شواطئ البحر الأحمر المتاخمة لمدينة المخا، حيث يمتزج ملح البحر بعرق الكادحين، لم يعد هدير الأمواج هو الصوت الوحيد الذي يكسر صمت الفجر، بل تحوّل أفق البحر إلى كتلة من الدخان الأسود الكثيف. في مشهد يعكس أبشع صور الإمعان في التجويع والترويع، أقدمت المليشيات على إحراق وتدمير زوارق وجلبات الصيادين المحليين، لتلتهم النيران في لحظات معدودة مصادر الرزق الوحيدة لعائلات بأكملها.
إنها ليست مجرد خسارة مادية تفوق مئتي مليون ريال للجلبة الواحدة، بل هي محاكمة علنية لحق الإنسان البسيط في الحياة والعمل بكرامة. وبأي عقلية رعناء تدير هذه المليشيا أمورها، وهي لا تتقن سوى لغة الإحراق والتدمير الممنهج لكل ما يتصل بالمدنيين والفقراء؟
تسقط كل ادعاءات الحروب المقدسة أمام جحيم هذه الممارسات العبثية، التي تثبت يوماً بعد يوم أن عدو هذه المليشيا الأول هو رغيف الخبز وقوت المواطن المقهور، متجاوزة كل الأعراف الإنسانية والأخلاقية في استهداف مكشوف لكل مقومات الحياة الكريمة على الساحل الغربي.
الصياد المكلوم: "أحرقوا بيتنا الذي نتحرك به في عرض البحر"
يقول الصياد سالم علي، وهو أحد المتضررين المباشرين من هذه الجريمة: "لا أستطيع حتى هذه اللحظة استيعاب حجم الفجيعة التي حلت بنا وبأسرنا، بعد أن شاهدنا شقاوة السنين وتعب العمر يتحول إلى رماد أمام أعيننا. هذه الجلبة لم تكن مجرد قطعة خشب وحديد بالنسبة لي ولأولادي، بل كانت هي الدار الثانية والمهد الذي نطعم منه أطفالنا ونؤمّن به مستقبلنا المجهول في ظل هذا الوضع الاقتصادي المتردي. لقد استثمرنا فيها كل ما نملك، واقترضنا الديون لكي نبقى أحراراً نأكل من عرق جباهنا دون أن نمد أيدينا لأحد، لتأتي هذه المليشيا بكل برود وتبدد ملايين الريالات في دقائق معدودة فقط لأجل إرضاء غريزتهم التدميرية. ما ذنبنا نحن كبسطاء نخرج مع أول ساعات الفجر لنصارع أمواج البحر العاتية بحثاً عن رزق حلال، لنفاجأ بأن من يفترض أنهم بشر يتربصون بنا ويحرقون مصدر بقائنا الوحيد؟ إنهم لا يكتفون بتجويع الشعب، بل يتعمدون حرق كل بارقة أمل باقية في نفوس الفقراء".
مالك الجلبات: "مئتا مليون ريال أكلتها النيران لأنهم يعادون الحياة"
يوضح الحاج محمد حسن، أحد كبار ملاك القوارب والجلبات في المخا: "إن ما حدث يعد كارثة اقتصادية وإنسانية بكل ما تحمله الكلمة من معنى، حيث يتجاوز سعر الجلبة الواحدة التي تم استهدافها حاجز الـ250 مليون ريال يمني من مواد خشبية وتجهيزات بحرية ومحركات باهظة الثمن. هل يدرك هؤلاء الجهلة حجم الجهد والمال والوقت اللازم لبناء جلبة واحدة، أم أنهم يعيشون في كوكب آخر لا يعرفون فيه سوى ثقافة التفجير والحرق والتخريب الممنهج؟
لقد استهدفوا عصب الاقتصاد المحلي والصيد التقليدي الذي يعتاش منه مئات العمال والبحارة وأسرهم بشكل مباشر وغير مباشر في الساحل. إنهم يعاقبون الصيادين لمجرد أنهم يرفضون الموت جوعاً ويريدون العيش بكرامة بعيداً عن مشاريعهم الظلامية، وكأنهم يقولون لنا صراحة: إما أن تركعوا أو نحرق ماضيكم ومستقبلكم معاً.
هذه الأفعال الرعناء لا تخرج إلا عن عقلية مريضة تعادي كل ما هو جميل ونافع ومثمر في هذا الوطن".
المهتم بالشأن الاقتصادي: "حرب اقتصادية شعواء تستهدف تجويع المجتمع المدني"
يؤكد الدكتور وعالم الاقتصاد المحلي فؤاد المخلافي: "ما نشهده اليوم في سواحل المخا هو حلقة جديدة ضمن سلسلة طويلة من الحرب الاقتصادية الشعواء التي تمارسها المليشيات ضد المواطن اليمني عبر استهداف البنى التحتية الصغيرة ومصادر الدخل المستقلة. عندما تقوم بحرق جلبة صيد تفوق تكلفتها المئتي مليون ريال، فأنت لا تقضي فقط على مصدر رزق أسرة واحدة، بل تدمر دورة اقتصادية كاملة تضم البحار، والتاجر، والورشة، والسوق، والمستهلك البسيط. هذه العقلية المدبرة لهذه العمليات تعاني من عمى استراتيجي وفكري، فهي تتخيل أن تدمير قوارب الصيادين سيحقق لها نصراً عسكرياً أو سياسياً، بينما هو في الواقع دليل قاطع على العجز والإفلاس الأخلاقي التام. إنهم يستهدفون المدنيين لأنهم عاجزون عن مواجهة الرجال في الجبهات، فيفرغون عقد النقص لديهم في ممتلكات الفقراء والمساكين الذين لا حول لهم ولا قوة سوى الصبر والاحتساب".
الناشط الحقوقي: "جرائم حرب موثقة ضد المدنيين العزل ومصادر رزقهم"
يشير المحامي والناشط الحقوقي سمير الأغبري قائلاً: "من الناحية القانونية والإنسانية، ما قامت به هذه المليشيات من إحراق متعمد لزوارق وممتلكات الصيادين المدنيين في المخا يرقى إلى مستوى الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب المكتملة الأركان. إن القانون الدولي الإنساني يحظر بشكل قاطع استهداف الأعيان المدنية وممتلكات السكان الضرورية لبقائهم، فما بالك بتدمير أدوات الإنتاج الحيوي للبحارة والصيادين الذين يمثلون الفئة الأكثر هشاشة في المجتمع. لقد وثقنا هذه الانتهاكات بكل تفاصيلها المؤلمة، وسنرفع بها التقارير الكاملة إلى الهيئات والمنظمات الدولية المعنية بحقوق الإنسان، لكي يرى العالم أجمع الوجه الحقيقي القبيح لهذه المليشيا. إنهم يحاولون فرض حصار مطبق وجوع مدقع على أبناء الساحل الغربي باستخدام النيران والحديد، متعهدين بأن هذه الجرائم لن تسقط بالتقادم، وسيأتي اليوم الذي يحاسب فيه كل مرتكب وموجّه لهذه الأفعال البغيضة أمام القضاء العادل".
المواطن والشاهد العيان: "رأينا النيران تلفظ أحلامنا بينما يقف السفهاء يصفقون"
يروي الشاب إبراهيم المكي، أحد شهود العيان على الحادثة التي وقعت بداية الحرب، عندما كانوا مسبقاً يسيطرون على باب المندب: "لن أنسى أبداً ذلك المنظر المرعب عندما اقتربت تلك العناصر وصبّت الوقود على الجلبات وأشعلت فيها النيران، بينما كانت متوقفة على الشاطئ بسلام تام، وكأنها تشكل خطراً استراتيجياً على عروشهم الوهمية. كنا نقف على مقربة، يراودنا الأمل في أن نطفئ تلك النيران بأيدينا، لكنهم هددونا بالسلاح ومنعونا من الاقتراب، بل وكانوا يتبادلون الضحكات الساخرة، وكأنهم يحققون إنجازاً تاريخياً عظيماً وهم يحرقون عرق وجه أناس أبرياء لا علاقة لهم بالسياسة ولا بالحرب سوى البحث عن لقمة حطام الدنيا. أي عقلية مسخ هذه التي تستعرض عضلاتها الفارغة أمام قوارب خشبية صامتة، وتتلذذ برؤية ألسنة اللهب وهي تلتهم ملايين الريالات التي جمعها الصيادون طوال سنين من الشقاء والمرارة؟ لقد أثبتوا لكل من كان يساوره الشك أنهم مليشيا لا تعرف سوى الخراب والتدمير أينما حلّت وارتحلت".
الباحث في علم نفس الجماعات: "سيكولوجية التدمير الممنهج وغباء العصابات المقيتة"
يحلل الباحث النفسي والاجتماعي الدكتور مراد السعيدي الموقف بالقول: "إذا أردنا أن نفهم عقلية هذه المليشيا، فعلينا أن ننظر إلى سيكولوجية العصابات التي تعاني من متلازمة تدمير كل ما هو منتج ومفيد ومستقل عن سيطرتها المطلقة. الصياد هو رمز للإنسان الحر الذي يعتمد على سواعده وبحر بلاده دون وصاية من أحد، وهذا الاستقلال بذاته يشكل استفزازاً صارخاً لعقليتهم التمساحية التي لا تحب سوى التبعية المطلقة والتجويع المتعمد.
إنهم يقومون بإحراق الجلبات باهظة الثمن ليس لأنها تمثل تهديداً عسكرياً، بل لأنهم يعانون من غباء مستحكم يجعلهم يظنون أن كسر نفسية الفقراء سيجعلهم يخضعون لرايتهم البائسة. إنهم عاجزون تماماً عن بناء حجارة أو زراعة شجرة أو صناعة قارب، ولذلك تجدهم لا يبرعون إلا في الهدم والإحراق وتحويل حياة الناس إلى جحيم، مستخدمين شعارات رنانة تافهة، بينما أفعالهم تفضح بلادة عقولهم وانحطاط مشروعهم من أساسه".

الختام:
في نهاية المطاف، نجحت المليشيا -وبجدارة مذهلة- في تسجيل هدف في مرمى غبائها الخاص، وكعادتها الأبدية في التفكير بالأعضاء السفلية أو ببطون مقاتليها المنتفخة، قررت أن الحل الوحيد لمشاكلها الكونية العظيمة هو... إحراق قوارب صيد خشبية! نعم، فبينما العالم المتحضر يتحدث عن الذكاء الاصطناعي واكتشاف الفضاء، تقف هذه العبقرية الفذة في المخا متأملةً جلبة بقيمة مئتين وخمسين مليون ريال لتصرخ في وجه التاريخ: "احرقوها، لعل وعسى تصبح سمكة السردين المرعبة خائفة منا وتعلن الاستسلام!".
إنها سخرية القدر المطلقة أن تجد جماعة تحارب حتى "السمك" في البحر، وتعلن الجهاد الأكبر ضد شباك الصيد وسقالات الفقراء، بينما تعجز حتى عن ترقيع طريق ترابي أو توفير أبسط مقومات البقاء لأتباعها المغرر بهم.
هنيئاً لكم هذا الإنجاز الاستراتيجي الخارق يا سادة الخراب؛ لقد أحرقتم الجلبات، وبقي البحر واسعاً، وبقي الصيادون أقدر على صناعة الحياة من قدرة عقولكم المتحجرة على فهم معنى الأوطان والكرامة.