الرماد الأخير .. حين تفقد المعارك معناها وتبقى حرائقها

منذ ساعة
مشاركة الخبر:

ثمة شيء أقسى من صوت الرصاص... أن تسمعه طويلاً حتى تعتاد عليه.
أن يستيقظ الطفل على أخبار المعارك كما يستيقظ على صوت المؤذن، وأن يصبح انتظار الراتب خبراً، ووصول الكهرباء خبراً، وفتح الطريق خبراً، وعودة الأب من الجبهة خبراً يستحق الاحتفال.
هكذا تطول الحروب.
لا تكتفي بأن تأخذ من الناس أبناءهم وبيوتهم وأموالهم، بل تأخذ منهم شيئاً آخر لا يُرى بسهولة: قدرتهم على الحلم.
وفي اليمن، طال الانتظار أكثر مما ينبغي.
انتظر الناس نهاية الحرب، فقيل لهم: اصبروا. انتظروا النصر، فقيل لهم: إنه قريب. انتظروا السلام، فقيل لهم: إن المفاوضات ستأتي بالفرج. ثم مر عام، وتلاه عام، وبقي المواطن في المكان نفسه، يحمل أعباء يومه وينظر إلى الغد كأنه موعد مؤجل لا يصل أبداً.
المشكلة أن الإنسان يستطيع أن يتحمل الفقر، وقد يتحمل الخوف، وقد يقف أمام أصعب الظروف إذا كان يرى في نهاية الطريق ضوءاً.
لكن أصعب ما يمكن أن يحدث له أن يفقد ثقته بأن هناك نهاية.
عندها يصبح كل شيء ثقيلاً.
الحديث عن المعركة يصبح مكرراً، والوعود تفقد بريقها، والخطب التي كانت تشعل الحماس تتحول إلى كلمات ساخرة، لأن الناس لم تعد تبحث عمن يقول لها ماذا سيحدث، بل عمن يملك الشجاعة ليقول لها الحقيقة.
كم من بيت عاش سنوات وهو ينتظر عودة رجل خرج ولم يعد؟
كم من أم كبرت وهي تضع صورة ابنها أمامها، وتقول في سرها: لعل الغد يحمل خبراً؟
كم من أب أخفى خوفه عن أبنائه حتى لا يسقط ما تبقى من الأمل في أعينهم؟
وكم من شاب أضاع أجمل سنوات عمره وهو لا يعرف: هل يبني مستقبله أم ينتظر نهاية حرب لا يعرف متى تنتهي؟
هذه هي الكلفة التي لا تظهر في بيانات المعارك.
فالدمار ليس فقط في الجدران التي تسقط، وإنما في الأعمار التي تمر دون أن تعيش، وفي الأحلام التي تتأجل حتى تموت، وفي جيل كامل يتعلم كيف ينتظر أكثر مما يتعلم كيف يبني.
لهذا يصبح بيع الوهم أخطر من مجرد وعد كاذب؛ لأن الوهم يمنح الإنسان أملاً مؤقتاً، ثم يأخذ منه وقتاً لا يعود.
كل مرة يُقال فيها إن النهاية اقتربت، ثم لا تأتي، يتراجع شيء في داخل الناس. وكل مرة يُطلب منهم الصبر دون أن يروا ثمرة هذا الصبر، يصبح الصبر نفسه عبئاً.
وليس المطلوب أن تتوقف المعركة لمجرد التوقف، ولا أن يُطلب السلام بأي ثمن.
المطلوب أن يعرف اليمنيون إلى أين تتجه البلاد.
أن تكون هناك غاية واضحة، وقرار واضح، وطريق واضح.
فالناس لا تريد أن تموت الحرب على الورق بينما تبقى آثارها حية في الشوارع والبيوت والقلوب.
ولا تريد سلاماً يعيد إنتاج المشكلة نفسها، ثم يطلب منها أن تفرح لأنها نجت من جولة لتدخل في جولة أخرى.
الحرب التي لا تقود إلى نتيجة تتحول مع الوقت إلى عادة.
والعادة أخطر من الحرب نفسها؛ لأن الناس عندما تعتاد الألم تبدأ بالتعايش معه، وعندما تتعايش معه يصبح من السهل على الآخرين أن يؤجلوا الحل مرة أخرى.
وهنا يأتي الرماد.
الرماد هو ما يتبقى عندما تنتهي النار من كل شيء.
لا صوت فيه، ولا شعارات، ولا خطب، ولا وعود.
فقط بقايا ما كان هنا ذات يوم.
والخوف الحقيقي أن يصل اليمن إلى مرحلة لا يسأل فيها الناس: من انتصر؟ ومن خسر؟
بل يسألون سؤالاً أكثر وجعاً:
ماذا بقي لنا؟
ماذا بقي من العمر الذي مضى؟
ماذا بقي من البيوت التي تهدمت؟
ماذا بقي من الأحلام التي أجلناها؟
وماذا بقي من وطن كان يمكن أن يكون أفضل لو أن قراراته جاءت في وقتها؟
اليمن لا يحتاج إلى مزيد من النار.
يحتاج إلى نهاية تليق بكل الذين دفعوا الثمن.
يحتاج إلى قرار يخرج الحرب من دائرة الانتظار، ويعيد للناس شيئاً من يقينهم بأن الغد ليس نسخة أخرى من الأمس.
فالأوطان لا تُبنى بالوعود وحدها، ولا تنتصر بكثرة الكلام، ولا تُنقذ بتأجيل القرارات.
الوطن يحتاج إلى رجال يقولون الحقيقة، ويتحملون مسؤولية القرار، ويعرفون أن التاريخ لا يسأل فقط عن عدد المعارك التي خضناها، بل يسأل أيضاً: ماذا فعلتم بعد أن طال الرماد؟
لقد تعب الناس.
تعبوا من الحرب، وتعبوا من الانتظار، وتعبوا أكثر من أن يُطلب منهم كل مرة أن يصدقوا وعداً جديداً.
ولذلك، فإن اللحظة التي يأتي فيها القرار الحقيقي لن تكون مجرد لحظة سياسية أو عسكرية.
ستكون لحظة لاستعادة شيء فقده اليمنيون منذ سنوات:
الأمل.
فما نحتاجه اليوم ليس حرباً بلا نهاية، ولا سلاماً بلا معنى.
نحتاج نهاية واضحة لحريق طال أكثر مما ينبغي، وبداية جديدة لا يكون فيها اليمن مجرد ساحة للمعارك، بل وطناً لأبنائه.
فالرماد الأخير يجب ألا يكون شاهداً على وطن احترق، بل شاهداً على وطن قرر أخيراً أن يطفئ النار ويبدأ من جديد.