ملمحٌ من ملامحِ يمنِ ما بعد الحرب..!

منذ ساعة
مشاركة الخبر:

ما دفعني لكتابة هذا المقال سؤالٌ وجّهه لي صديق: ما أخبار ابنك الكبير، وهل أكمل دراسته الجامعية..؟
أجبته: ابني، كما تعلم، بعد خدمة تطوعية استمرت أربع سنوات باللواء 35 دون راتب، في انتظار الترقيم، بعدها التحق بجامعة عدن، ودرس سنة واحدة، ولما عجزت عن دعمه أوقف القيد وراح يطلب الله على بطنه، لكن أخيراً ترقّم بأحد الألوية العسكرية التابعة للشرعية.
ابتسم بسخرية مريرة صديقي وقال:
_ كم ستبقى غبيًّا..؟
واسترسل قائلاً:
_ كأنك لم تكتفِ، ضيّعت نفسك بالنضال والكتابة والتدريس... والآن ترمي بابنك إلى ما هو أسوأ من ضياعك.. إلى محرقة.. أنت غلطان.
وقبل أن أرد عليه قاطعني:
_ صدقني، المنح تذهب لعيال الذين تركوا اليمن وهربوا إلى خارج اليمن، وهم من سيعودون يحكموننا.!
هذه العبارة هي التي دفعتني للتفكير في كلام صديقي، وبعد تأمل طويل في مضمونه وجدتني أكتب هذا المقال.
منذ بداية الحرب القائمة في اليمن عام 2015 إلى هذه اللحظة، لم تعد المنح توزّع كالفترة السابقة للمتفوقين في اختبارات الثانوية العامة، خاصةً الذين أنهوا الثانوية العامة في المناطق الواقعة تحت سيطرة المليشيات السلالية الإمامية، على اعتبار أن الحوثيين عبثوا بالمنهج الدراسي، وفتحوا الباب واسعاً للغش الذي جعل طلاباً يحصدون معدلات تتجاوز نسبتها المئوية 95%، ناهيك عن الاحتمال الكبير لاستغلال المنح الدراسية حال اعتُمدت منحاً دراسية للمناطق التابعة لهم، وسرقتها بتخصيصها لأبناء كبار قيادتهم؛ أي الحوثيين.!
وبالتالي، فالمنح بقيت حصراً على خريجي الثانوية العامة بمناطق الشرعية.!
غير أن الملاحظ من خلال الكشوفات التي تتسرب كل عام من وزارة التعليم العالي يؤكد أن أغلب المنح تذهب لأبناء المسؤولين.!
والمضحك أن معظمهم لم يختبروا داخل اليمن، بل اختبروا خارج اليمن، إما بمدن مصرية أو مدن تركية أو الأردن أو السعودية.!
وبقية المنح توزّع لأوائل الجمهورية التابعة للشرعية.!
يُلاحظ أن كثيرين ممن هربوا من اليمن إلى عواصم عربية وأجنبية استغلوا فترة الحرب.!
ولأنهم يتقاضون رواتب بالآلاف من الدولارات، درسوا الماجستير والدكتوراه.!
وحتى أبناؤهم الذين تخرجوا من الجامعات، أغلبهم واصلوا دراسة الماجستير والدكتوراه أيضاً.!
عندما تنتهي هذه الحرب، سيعودون لليمن وسيكونون هم وأبناؤهم أكثر تأهيلاً، ولهم الأفضلية في شغل معظم الوظائف، سواء في القطاع العام للدولة أو في الخاص أو القطاع المختلط.!
إننا هنا لسنا أمام مجرد تفاضل أوراق أكاديمية، بل أمام هندسة طبقية ناعمة تعيد إنتاج الإقطاع السياسي بثوب الماجستير والدكتوراه.!
فبينما تسحق الحرب آمال أبناء الداخل، تصنع المنح المستلبة نخبة هشة تعيش اغتراباً ذهنياً ووجدانياً عن أوجاع الوطن وذاكرة الجراح.!
طبعاً نحن الذين لم نستطع إلحاق أبنائنا بالجامعات بسبب ظروفنا الصعبة، وفضلنا الدفع بهم إلى الجبهات، سيكون الذين كُتب لهم النجاة مجرد عساكر.!
وحتى إن حاولوا الالتحاق بالجامعات عقب الخروج من هذه الحرب، لن يستطيعوا الالتحاق بالجامعات؛ لأن المدة المحددة لصلاحية شهادات الثانوية العامة ستكون قد انتهت.!
والذي يرغب بالالتحاق بأي كلية، عليه أن يدرس ليس ثالث ثانوي، وإنما من أول ثانوي، بسبب أن نصف المعدل بشهادة التخرج من الثانوية العامة مرتبط بالدرجات التراكمية من أول وثاني وثالث ثانوي.!
وهذا يعني صرف النظر عن فكرة الدراسة الجامعية لصعوبة أن يضيّعوا ثلاث سنوات أخرى في إعادة دراسة الثانوية العامة؛ لأن العمر يجري وقد ضاع سدىً، ناهيك عن كثير من التعقيدات التي ستترتب في ضوء المتغيرات القادمة.!
هكذا تحوّل اللوائح الصماء البيروقراطية تضحيات الشرفاء إلى قيد يكبّل مستقبلهم، فتصبح بندقية الدفاع عن الوطن جريمة تُعاقب عليها القوانين الأكاديمية.!
إنه اغتيال معنوي وممنهج للوعي، يضمن تجريد أبطال الميدان من السلاح والشهادة معاً، ليبقى الجسد بلا خيار سوى الطاعة.!
بات واضحاً من سوف يسيطر على الدولة بمختلف مفاصلها، وعلى وظائف القطاع الخاص، وعلى فرص الاستثمار.!
صورة إدارة قادم مستقبل هذا البلد صارت واضحة.!
لن يجد حتى المدنيون الذين ضحوا بوظائفهم في صنعاء ومدن اليمن المختلفة، وتركوا أعمالهم الخاصة، وبعضهم ضحوا بأموالهم وتجارتهم، والتحقوا بالمقاومات الشعبية والوطنية وقاتلوا بالجبهات بصدق وشرف وأمانة، مكاناً لهم.!
نعم، حتى العودة إلى وظائفهم السابقة قد لا يتمكنون منها.!
وإن عادوا، لن يُمنحوا ترقيات تليق بحجم تضحياتهم، ناهيك عن كونهم الأولى بمنحهم درجات قيادية في مؤسساتهم وأعمالهم السابقة.!
وناهيك عن أنهم سيكونون الأكبر أمانة وكفاءة بحكم تضحياتهم، ولن يسمحوا بإعادة إنتاج الفوضى والفساد والسلبيات التي كانت سائدة بالوظيفة العامة، باعتبار أنهم ما قدموا تلك التضحيات إلا من أجل التخلص من كل تراكمات الفساد والفوضى، وليس غيرهم أقوى وأقدر على عدم السماح بعودة كل السلبيات السابقة.!
نعم، حتى هؤلاء لن يُلتفت إليهم، ولن يُكرموا بمثل هكذا ترقيات.!
فكما قلنا، ربما يجدون أنفسهم في الشارع يتسولون لقمة العيش.!
لماذا ربما.؟
بل قد صار كثير منهم اليوم مرمياً بهم على أرصفة الشوارع وأزقة القرى، فقد تم الاستغناء عنهم، خاصة الذين لم يتم ترقيمهم بالجيش.!
لا يُستبعد أن تُغلق الأبواب بوجههم إن حاولوا العودة إلى الجبهات بعد أن قُطعت عنهم المكافآت التي كانت تُصرف لهم تحت مسمى كشوفات المعالجات.!
نعم، سيتم ذلك بحقهم إن دخلوا الجبهات لمواصلة نضالهم ضد المليشيات السلالية الإمامية، على اعتبار أنه قد تم الاستغناء عنهم.!
ولا أستبعد أن تُوجّه إليهم، إن اقتربوا من الجبهات التي كانوا فيها، تهماً نحو التخابر مع الحوثيين.!
فالمؤسسة السياسية المستلبة تخشى النزاهة قبل أن تخشى العدو، لأن الشريف في أروقة الفساد يشبه الضوء الذي يكشف عورة الظلام.!
وهكذا يتحول المناضل الصادق من حارس للجمهورية إلى عبء أمني وسياسي يجب إزاحته بأي ثمن.!
وليس كاتب هذه السطور إلا نموذجاً لأولئك المناضلين.!
فقد حاول التواصل مع قائد اللواء 35 مدرع ليطلب منه ضرورة صرف المكافأة التي كان يستلمها، فوجد قائد اللواء قد غيّر أرقام هواتفه.!
وعندما طلبها من بعض الضباط، رفضوا إعطاءه أي رقم.!
وعندما أرسل رسائل إلى بعض معاونيه من قادة اللواء ومرافقيه، يطلب منهم إيصال رسالته إليه، لم يردوا عليه.!
وعندما اتصل بقائد جبهة الصلو أنه سوف يلتحق بالجبهة، أفاده بالترحيب، ولكن إلى حين وجود رديات؛ أي استقطاعات من رواتب الأفراد، حتى يضمن له الحصول على مصاريف يومية.!
ولهذا، كثير من أمثال كاتب هذه السطور ممن كانوا يستلمون مساعدات عبر كشوفات، فضلوا البقاء في بيوتهم.!
وطبعاً لن يُمنحوا أية ترقيات بوظائفهم القديمة التي تركوها في بداية هذه الحرب عندما التحقوا بالشرعية.!
إذن بات واضحاً من هم الذين سيمنحون التعيينات والترقيات عند انتهاء هذه الحرب، بعضهم من ستضمن لهم التسوية السياسية القادمة بين طرفي الحرب من أصحاب الحوثيين.!
والبعض الآخر من الشرعية لن يكونوا غير الذين هربوا إلى خارج اليمن، وأبناؤهم الذين حصلوا على تعليم من جامعات تركيا ومصر والأردن وغيرها من الجامعات الأجنبية.!
سيتم تقاسم الحكم بين أصحاب الحوثيين من جهة، والهاربين وأبنائهم من جهة ثانية.!
أولئك الذين سيحكمون اليمن هم من استفادوا منه قبل الحرب، وأثناء الحرب، وبعد الحرب.!
أما نحن، وأبناؤنا الذين ذهبنا إلى الجبهات منذ رصاصة الرفض الأولى لمشروع السلالية الإمامية، وبعضنا استُشهد أبناؤهم، لن يكون لنا أي مقعد معهم.!
وكأن لسان حالهم يقول: "اليوم روحوا أنتم الجبهات، وقاتلوا وموتوا، وغداً نحن سنعود لنحكمكم".!
هي إذاً خديعة التاريخ المستمرة حين يقاتل الحفاة بعقيدة الكرامة، بينما يقطف الانتهازيون ثمار الدماء ببرودة العقول والتسويات.!
إنها معادلة المأساة التي تجعل الجرحى وقوداً للثورة، والغرباء أسياداً على عرش السلام المزيف.!
الغريب في هذا السياق، ولكن على صعيد مختلف، أن هذا الملمح لما سيكون عليه المشهد أو الواقع بعد إنهاء هذه الحرب ليس فهلوة تشاؤمية، وإنما توقع تسنده المعطيات المادية التاريخية في هذا البلد.!
بعد ثماني سنوات حرب بين الجمهوريين السبتمبريين والملكيين الإماميين، تم الصلح مطلع السبعينيات بين طرفي الحرب.!
وكانت النتيجة أنه تم استيعاب جيش الملكية وقاداته ضمن جيش الجمهورية، وكبار موظفيها مُنحوا مناصب بحكومة الجمهورية.!
والنصف الآخر الذين كان للجمهوريين استأثرت به القوى التقليدية، علماً بأن أغلب رموزها كانوا قد هربوا أثناء حصار السبعين يوماً.!
المناضلون من المقاومة الشعبية وأبطال الوحدات العسكرية التي بقيت في صنعاء تم تهميش الكثير منهم، مما ليس بخافٍ على من قرأ تاريخ هذا البلد بحيادية وإمعان.
يقول الأستاذ عبد الله البردوني في كتابه قضايا يمنية (ص 106، 107):
"ولما انتهت معركة السبعين يوماً، وبردت أحداث 1967 عاد التناقض بشقيه بين المحكومين والحاكمين، وبين الحاكمين نفوسهم على واحدية الوجهة، لأن الوجهة العامة لا تتماسك إلا إذا جاءت من مجتمع غير متناقض أو غير حاد التناقض، فبعد كسر الحصار فبراير 1967 جمع كل الأطراف (أصحاب الثقل) كراهية المناضلين أو المتهورين في النضال على حد تعبير الجمهورية الثانية.
إلا أن مجرد الكراهية لجماعة، أو نزوع جماعة لا يكفي كرابطة وثيقة بين الأطراف المتباينة، لهذا انفجر التناقض بعد تصفية القوى المتهمة بالتهور.
من هنا خلا الميدان (للأطراف المعنية) فتلاقى الملكيون والجمهوريون في مجلس جمهوري.. وفي مجلس شورى وفي مجلس وزراء، على تباعد النزعات والنوايا، فحاول طرف "الرجوع إلى العهد الأمامي باسم الجمهورية"، وحاول طرف آخر الرجوع إلى عهد دستور 1948 تحت علم جمهوري، وأراد طرف ثالث الاستفادة من اللونين، فحلّت المحافظة محل التراجع، وقام ما سمي بالحكم الجماعي محل الحكم الثوري".
ورغم ذلك، هذا الشعب لا يتعظ ولا يستفيد من تجارب الماضي القريب.!
كم هو مؤسف أن كل معايير القيم والأخلاق في هذا البلد قد انقلبت كليةً رأساً على عقب.!
فأي مستقبل يُرجى طالما أن الأطراف التي عبثت باليمن لا تزال تُعيد إنتاج نفسها؟
أقول لكل من يسعى لتحليل المشهد السياسي القادم: يقتضي منه الوقوف أمام هندسة الإقصاء التراكمية التي تُمارس بحق القواعد الاجتماعية الصلبة.!
فهذه السياسات التي تحرم المرابطين وأبناءهم من فرص التعليم والتمكين، وتصنع طبقة جديدة من حكام الصفقات، لا تمثل مجرد انحراف إداري عابر، بل تشكل استراتيجية واعية لبناء نظام سياسي مغلق يضمن احتكار السلطة والثروة.!
ومع اقتراب استحقاقات التسوية الإقليمية والدولية، تتضح الصورة الجلية لدولة الغنائم المرتقبة، حيث تُقاس الكفاءة بحجم الفرار والقدرة على اقتناص المزايا في الخارج، بينما يُحاسب الشرفاء على إخلاصهم للتراب الوطني.!
إن التحالفات الضمنية بين القوى التقليدية المتربصة خارج الحدود وسلطات الأمر الواقع في الداخل تعيد صياغة المعادلة الاقتصادية والسياسية لصالح الامتيازات الطبقية، وتعمل بأسلوب ممنهج على إفراغ مؤسسات الدولة المستقبلية من أي عناصر مناضلة تمثل ضمير الشعب وتطلعاته.!
إن هذا المسار لا يكتفي بإهدار تضحيات أبطال المقاومة الوطنية والمدنيين المسحوقين، بل يؤسس لدورات جديدة من الانفجار المجتمعي؛ لأن بناء السلام على قاعدة الظلم الطبقي والهندسة الديموغرافية للوظيفة العامة يجعل الاستقرار مجرد وهم مؤقت.!
إن استمراء تزييف الوعي وصناعة النخب الطفيلية على جثث الشرفاء لا يخدم سوى تقويض ما تبقى من الفكرة الوطنية.!
فالدولة التي لا تحمي مناضليها، وتستبدل الكفاءة بالقرابة والتضحية بالهروب، هي دولة تزرع في أحشائها بذور الفناء القادم.!
وسيبقى السؤال المعلّق في فضاء يمننا المكلوم:
_ إلى متى يظل الدم يمنياً، والتاريخ يمنياً، بينما الغنيمة حصراً لمن خان الفكرة وباع الوطن في مزادات الشتات؟