من الرهائن إلى المدافن .. رحلة الموت القسري التي تقودها المليشيا في أرياف اليمن

من الرهائن إلى المدافن .. رحلة الموت القسري التي تقودها المليشيا في أرياف اليمن
مشاركة الخبر:

​في الأرياف اليمنية الخاضعة لسطوة المليشيا، لم يعد صيف الشباب يُقاس بالرحلات البحرية ولا برحلات التخييم البريئة، بل برحلة ذهاب بلا إياب تُعرف محلياً بـ "رحلة التحشيد". تبدأ الحكاية غالباً بلعبة بلياردو بشرية؛ فإما أن يُؤخذ الابن البكر رهينة في ظلام الليل لأن أباه تجرأ واعتذر عن إرسال "حطب الجبهات"، أو يُستدرج اليافع ببريق شعارات رنانة ووعد بـ "رحلة ترفيهية" إلى معسكرات تُعنى بغسل العقول.
العائلة تودع ابنها وهو يرتدي قميصاً فضفاضاً، وتستقبله بعد أسابيع قليلة في صندوق خشبي ، محمولاً على أكتاف مشاة يعزفون زفة العرس الموعود بالشهادة.. وكأن الموت، في قاموس المليشيا، هو الهدية الوحيدة التي لا تحتاج إلى فاتورة جمارك.

​حين تنظر إلى هذه القرى، تكاد تظن أن هناك مسابقة ديموغرافية سرية تُجرى تحت شعار: "كيف تفرغ قريتك من كل من يتجاوز العاشرة ولا يحمل كلاشينكوف؟". الأب يذهب إلى السوق لبيع بضاعة زهيدة، فيعود ليجد ابنه البالغ من العمر أربعة عشر ربيعاً قد سبق عصافير الصباح إلى جبهة تعز، دون أن يحمل معه سوى ساندويتش فلافل وبطانية عسكرية مهترئة. العرض الحوثي السخي لا يقاوم: تعطيهم ولدك سليماً معافى، فيردون لك الجميل في صورة "وسام برونزي" وصورة ملونة على جدار الحارة كُتب تحتها بخط رديء: "رحم الله الشهيد البطل.. أين البقية يا أبناء العمومة؟".

​إنها تجارة مذهلة بكل المقاييس؛ رأس المال هو "أفلاذ أكباد الناس"، والربح الصافي هو مقعد وثير للمشرف المناطقي، بينما البضاعة المرتجعة عبارة عن توابيت جاهزة تُوزع مع كرتون تمر ومبالغ زهيدة من "الكوبونات" الوهمية.
الأسرة المسكينة التي كانت تحلم بأن يدرس ابنها الطب أو الهندسة، تجد نفسها فجأة أمام خيارين أحلاهما مر: إما أن تصفق في العرس الجماعي للقتلى، أو تُتهم بأنها "طابور خامس" يخدم قوى الاستكبار العالمي من خلف حطام جدران منزلها المنهار.

​حديقة الحيوان الحوثية للأطفال وعظماء المستقبل
​في معسكرات التعبئة، يُعاد تصنيع الطفولة اليمنية على عجل. الأطفال الذين كان ينبغي أن يلعبوا كرة القدم أو يتشاجرون على قطعة قمح، يُلقنون فنون تفكيك الكلاشنكوف وكيفية الابتسام للكاميرا قبل تلقي رصاصة طائشة. 
المشرف الحوثي، وهو يقف على منصة الخطابة، يرتدي جنزيراً لامعاً وساعتان في معصم واحد، يلقي محاضرة عصماء عن فضائل الزهد بينما يرسل أولئك الصغار الحفاة إلى حقول الموت.
الأطفال هناك ليسوا سوى "بيادق" في رقعة شطرنج إلهية مزعومة؛ يُحرّكهم المشرف كيف شاء، فإذا مات أحدهم قالوا: "هنيئاً له، لقد استبدل طين الدنيا بحور العين"، وإذا عاد عرجاء قالوا: "هذا وسام الشرف.. ما زال بإمكانك حمل الذخيرة بيد واحدة!".

قريباً في شاشات السينما السوداء
​بهذا الإيقاع الرتيب والدموي، تقترب بعض القرى التي تسيطر عليها مليشيا الحوثي من نيل لقب "المتحف المفتوح للأرامل والمسنين". 
لم يتبقَ في تلك الديار من يحكي للحجارة عن تاريخها سوى عجوز مسنة تحصي عدد الراحلين، وفتيات صغيرات يعتقدن أن "الرجل البالغ" هو فقط ذلك التمثال الكرتوني المعلق على مدخل القرية.
المليشيا تواصل حصد الزرع والنسل بروح إدارية باردة تشبه محاسباً في شركة تأمين مفلسة، بينما يظل السؤال المعلق على شفاه الريف اليمني المكلوم: هل سيتبقى شاب واحد على قيد الحياة ليغلق باب القرية خلف آخر جثة عائدة من محارق الموت، أم أننا سنستيقظ يوماً على صمت تام لا يقطع حبل سكينة الموتى فيه سوى صدى أصوات المشرفين وهم يبحثون عن أطفال جدد لم يبلغوا الحلم بعد؟