من طوابير الغاز إلى أبراج فنادق الشرعية في الخارج.. كيف أصبح حال المواطن في عشر سنوات عجاف؟

من طوابير الغاز إلى أبراج فنادق الشرعية في الخارج.. كيف أصبح حال المواطن في عشر سنوات عجاف؟
استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي
مشاركة الخبر:

​في الجمهورية اليمنية  تحولت مفاهيم الفيزياء الاقتصادية جذرياً منذ عام 2015 وحتى اليوم. فبينما كان العالم يدرس قوانين الجاذبية، كان المسؤول اليمني يدرس قوانين "الخفة والقفز فوق الأزمات".
​فإذا سألت أي مواطن يمني يرتجف جوعاً في طابور الرواتب المقطوعة أو أسطوانة الغاز عن سر الثروات الأسطورية التي تظهر فجأة على ملامح وحسابات بعض القيادات (سواء في ضفة الشرعية أو ضفة الحوثي)، سيجيبك بيقين تام: "إنها الاحترافية في النهب والسرقة في ضوء النهار!"

من حافي القدمين إلى إمبراطور القصور
​لم يعد خافياً على أحد أن المنصب السياسي أو العسكري في اليمن خلال عقد الحرب الأخير ليس تكليفاً وطنياً، بل هو "تذكرة ذهاب بلا رجعة" إلى قائمة أثَرى أثرياء العالم. يدخل المسؤول الوزارة أو المؤسسة أو المحافظة وهو لا يملك سوى "موتور" قديم أو بذلة مهترئة وراتب متراكم، وبعد سنتين فقط، تصبح "كروش ومروش" القيادي آية من آيات الجمال الإداري، وتتلألأ صورته على منصات التواصل وهو يفتتح مشاريع وهمية بينما يرتدي الساعات الباهظة. وبقدرة قادر، تتحول أموال المساعدات، وإيرادات الجمارك والضرائب، وفوارق بيع النفط والغاز، إلى أصول ثابتة له ولحاشيته لا تتأثر بانهيار العملة المحلية.
​تشير التقارير الاقتصادية والدولية (وحتى صرخات المواطنين على وسائل التواصل) إلى أن المسؤول اليمني الأصيل لا يعترف بالاستثمار المحلي؛ فهو "عالمي التفكير":

​أباطرة إسطنبول والقاهرة ودبي
احتلت شخصيات سياسية ورجال أعمال يمنيون مراكز متقدمة في قائمة الأجانب الأكثر شراءً للعقارات والفلل الفاخرة في تركيا، ومثلها في أحياء القاهرة الراقية وبعض عواصم الخليج وماليزيا. شقق فارهة وفلل بملايين الدولارات تُكتب أسماؤها بأحرف من ذهب، بينما أسرة الموظف البسيط تتوسل ثمن "دبة غاز". 
هذا المسؤول الى قبل عام ٢٠١٥ لم يكن لديه قيمة أرضية خمسة أمتار فسبحان مغير الأحوال.

​سلطة "حيتان الجباية":
في مناطق سيطرة مليشيا الحوثيين، لا يحتاج القيادي إلى السفر لشراء قصر، بل يكتفي بالاستيلاء على أراضي الدولة وضواحي صنعاء وأموال "الصناديق الخاصة" والجبايات تحت غطاء المجهود الحربي والمولد النبوي، لتصبح قيادات الصف الأول تتبادل الملايين شهرياً، بينما الشعب يصفق في الساحات طرباً لشعارات الصمود. شعب عرطه مافيش مثله.

​هنا القصة لا تكتمل باللص وحده، بل بالجمهور العظيم الذي يحميه؛ حيث تجد الناشط يدافع باستماتة عن "المسؤول الفلاني" الذي نهب المساعدات، مبرراً ذلك بأنه "دهاء سياسي"، ويقف الشارع ليهتف بحياة من سرق لقمة عيشه!

​وقت الحساب الإجباري.. أين كنت في 2011 وأين أنت اليوم؟

​إن الكارثة اليمنية المستمرة لم تكن قدراً محتوماً، بل صُنعت بفعل فاعل في غرف مغلقة، وهُندست لتجويع شعب بأكمله بينما تتضخم حسابات عصابات الفساد العابرة للولاءات والأحزاب.
لقد حان الوقت لكي يستيقظ الشارع اليمني من سبات "التطبيل" والتعصب الأعمى، ويطرح السؤال الأبدي والأهم: من أين لك هذا؟
​إن المسؤولية التاريخية والأخلاقية تفرض اليوم على الشعب اليمني بكل فئاته ومكوناته أن يكسر حاجز الخوف، ويطالب بثورة حساب ومساءلة شاملة لا تستثني أحداً، عبر الخطوات العملية التالية:
​كشف الذمة المالية الإجبارية:
إخضاع كل من تولى منصباً قيادياً، عسكرياً، أو وزارياً منذ عام 2015 وحتى اليوم لعملية تدقيق صارمة تكشف: "ماذا كان يملك قبل 2015 وماذا أصبح يملك اليوم؟".
​تشكيل لجان تحقيق مستقلة: 
لفحص تضخم الثروات، وفلل إسطنبول، وقصور القاهرة، وأرصدة البنوك الخارجية المنهوبة من قوت الشعب العاري والجائع.
​مصادرة الأموال المنهوبة:
تطبيق أقصى العقوبات القانونية ومصادرة كل شبر عقار وكل ريال سُلب من لقمة عيش المواطنين، وإعادته لخزينة الدولة لدفع الرواتب المتراكمة وإعادة الإعمار.
​الإحالة الفورية للمحاكم العادلة:
تماماً كما حدث في تجارب الجوار الشجاعة (مثل لجان النزاهة والمحاكم الخاصة بملاحقة لصوص المال العام في العراق)، لتكون هذه القيادات عبرة لمن تسول له نفسه المتاجرة بدم الوطن وألمه.

​الخلاصة:
الوطن لا يُبنى بالهتافات الزائفة ولا بالولاء لمن باعوه في سوق النخاسة السياسي. إما أن ننتزع حقوقنا ونجبر اللصوص على الوقوف في قفص الاتهام، أو سنبقى نردد إلى الأبد ترنيمة الجوع بينما يصفق الجياع لجلاديهم. الحساب قادم لا محالة، فمن أين لك هذا؟