الوطنية لا تُكتسب.. بل تُولد مع الإنسان
الوطنية الحقيقية لا تُكتسب اطلاقًا لكنها غريزه فطرية تولد مع الإنسان منذ صرخة الميلاد الأولى. كما أنها لا تُدرس في اعتى المدارس بل نستقيها من تربة وطن نحب كل ذره فيه. وليس هناك من وطن قاسى كما قاسى وطننا -وما زال- ولن ينتشله من براثن الشتات سوى رجال حقيقيون يعرفون قيمته.
ففي غمار الأزمات العاصفة وتهاوي الكيانات، تستوقف الروحَ لحظاتُ مكاشفةٍ قاسية لا تحتمل المواربة ولا المداهنة؛ لحظاتٌ تتوارى فيها الدعاية الرخيصة وتتلاشى فيها الشعارات الجوفاء، لتسطع حقيقةٌ واحدةٌ مجردة: مَن يملك الحكمة والنزاهة ورصيد الشرف الصادق ليعبر بهذا الوطن الجريح من ظلمات الضياع إلى بر الأمان؟ ومن يملك القدرة على إنقاذ الدولة؟
ومن يملك الرصيد الأخلاقي والسياسي الذي يؤهله لقيادة اليمن إلى بر الأمان؟
في جلسةٍ وجدانية جمعتني مؤخراً بنخبةٍ من قادة الفكر والنخب الخليجية، باغتني أحدهم —وهو قامةٌ سعوديةٌ مشهودٌ لها بطلاقة المعرفة وعمق السبر في أغوار الملف اليمني— بسؤالٍ ينبض بالصراحة: «لماذا هذا الوفاء والارتباط الوجداني بالسفير أحمد علي عبد الله صالح؟». لم أستدعِ مفردات الدبلوماسية، بل نبعت إجابتي من أعماق قلبي ووجداني ببساطةٍ يمانيةٍ أصيلة: «لأنه رجلٌ يحمل الوطن في حدقات عينيه.. لأنه رجلٌ وطنيٌّ حتى النخاع».
لم تكن المفاجأة في الإيماءات الممتنة للحاضرين، بل في تلك الشهادة الناصعة التي تدفق بها صدق أخي السعودي وهو يجيب بلا تردد: «والله لقد صدقت، وأشهد أنه قامةٌ قياديةٌ شاهقة، وأنه أنظف وأطهر يمنياً عرفته في دروب السياسة».
هبت هذه الكلمات كنسيمٍ عليل يختصر مأساة القيادة في بلدنا؛ فالسياسة الحقيقية ليست خطباً رنانة، ولا استعراضاً زاغ في زمن الفوضى، بل هي نبل الانضباط، وطهارة اليد، وعرق العطاء المتواصل لبناء مؤسساتٍ شامخةٍ تحت ضجيج الركام.
لقد برهنت السنوات العجاف التي يعتصر فيها اليمن وجعاً، أن الرهان على العصبيات الضيقة أو الهوامش الطارئة لم يورثنا سوى الانكسار والتشرذم. وفي المقابل، يظل السفير أحمد علي عبد الله صالح رمزا للقيادي الشامخ الذي مزج بين حنكة رجال الدولة والقبول الوطني العريض، قابضاً على جمر الوطنية وبوصلة الدولة، متسامياً عن الصغائر والمهاترات التي أرهقت كاهل شعبنا.
إن إشادة نخبٍ خليجية وسعودية بـ "نزاهة" و"رجاحة" هذه القامة اليمنية لا تأتي سدى، بل تجسد إدراكاً إقليمياً بأن طوق النجاة لليمن لن ينسجه إلا قادةٌ يملكون شرعية الإنجاز، ويتكئون على رؤية رجل الدولة الذي يقدم تراب وطنه وشعبه على كل مصلحةٍ ضيقة.
في زمنٍ اختلط فيه الحابل بالنابل، واستُبدلت فيه هيبة القيادة بـ "تصريحات الزوم" و"فقاعات الواتساب"، يبصر اليمنيون في أحمد علي عبدالله صالح عنواناً ثابتاً للصمود؛ رجلاً لم تتلطخ يداه بدماء أبناء جلده، ولم يبع شتات جغرافية الوطن في سوق المزاد الإقليمي. إن اليمن في هذه اللحظة الفارقة لا يحتاج حكواتية السياسة، بل يحتاج مَن يعرف كيف تُدار الدولة، مَن بنى الجيش، ورعَى المؤسسات، وعرف كيف يفرق بين مجرد تغريدةٍ عابرة وبين استراتيجية صلبة تُدار في غرف العمليات.
سيكتب التاريخ بماء الذهب أن الذين أنقذوا اليمن لم يكونوا الأكثر صراخاً، بل الأكثر صبراً ونزاهةً وتماسكاً.. وسيبقى أحمد علي عبدالله صالح رمزاً للحكمة والنزاهة، وشعلة أملٍ تضيء ظلمات المرحلة وتأخذ بأيدينا جميعاً نحو الغد المأمول.
ويبقى أحمد علي عبد الله صالح، بما يمثله من رصيدٍ وطني وسياسي وأخلاقي، أحد الرهانات التي يضعها كثير من اليمنيين أمام مستقبل الدولة واستعادة هيبتها وقوتها ووحدتها.