"الشعب يريد أن يرى دولته لا أن يسمع عنها".. ما الذي أغضب "شرعية الترانزيت" من المطالبات المستمرة بالعودة من الداخل ؟!
"نريد قيادة رئاسية وحكومة تعمل من الداخل".
جملة يكررها المواطن البسيط الذي ما زال ينتظر قيادة تقود معركة التحرير من الداخل، لا من الغرف المكيفة في فنادق الرياض والعواصم العربية، وينتظر حكومة تنتشله من الفقر والجوع وتدهور الوضع الاقتصادي.
لكن، للأسف، لا تجد هذه الدعوات آذانًا صاغية، ومع ذلك يعاود الناس الطلب، لعل اليوم الذي تُستجاب فيه يأتي.
غضب على دعوة "قديمة - جديدة"
أمر غريب أن تُقابل دعوة أحمد علي عبدالله صالح، نائب رئيس المؤتمر الشعبي العام، بكل هذا الغضب والتحامل غير المبرر. الرجل لم يقل إلا: "عودوا إلى الداخل وتلمسوا احتياجات المواطن" كما سبق ان قالها في سبتمبر 2022م و اغسطس 2024 و قالها العديد من اعضاء مجلس النواب و الشورى و القيادات الحزبية.
إلى هذه الدرجة فُضلت لمسؤولي الدولة حياة "الترانزيت" على البلد؟
كل الشرفاء والوطنيين ممن يؤثرون المصلحة العامة على المصلحة الشخصية دعوا إلى العودة، وهي دعوة أطلقها سياسيون وعسكريون وبرلمانيون منذ اليوم الأول الذي حمل فيه كل وزير ومسؤول حقيبته إلى الرياض في عهد الرئيس الراحل عبدربه منصور هادي، واعتبرها "عاصمة القرار وقيادة المعركة" بدلًا عن العاصمة المؤقتة عدن.
وقد يكون أحمد علي عبدالله صالح آخر من أطلقها، لكنه لن يكون الأخير؛ ستتكرر الدعوة حتى تعود الدولة فعليًا إلى الداخل.
9 سنوات.. والمشهد لم يتغير
بعد أكثر من 9 سنوات على نقل العاصمة إلى عدن، لا يزال المشهد كما هو: وزراء يأتون أيامًا إلى العاصمة المؤقتة ثم يغادرون، وقرارات تُتخذ من الرياض، وأسر تقيم في الخارج بشكل دائم، لا يقومون بشيء سوى العيش في ثراء فاحش، بالفلل والرواتب بالدولار والريال السعودي، بينما الشعب اليمني الذي ينتظر ساعة الخلاص يموت جوعًا، وهو يراقب الأخبار منتظرًا ساعة الصفر التي صفّرت حياتهم وأنهكتهم كثيرًا، وهم ينتظرون قيادتهم أن تشاركهم الوجع وتمضي صوب إنهاء الانقلاب الحوثي، حتى يستعيدوا حياتهم التي سُرقت منهم في ساعة غفلة، وسط تصريحات وخطابات تأتي من خارج الحدود.
يقول مصدر حكومي: "أصبحنا نُدار بنظام الترانزيت. الوزير ينزل عدن 48 ساعة ويطير. لا مكتب ثابت، لا فريق عمل، لا متابعة ميدانية".
وتشير تقديرات غير رسمية إلى أن أكثر من 70% من الوزراء يقيمون خارج اليمن، وبعضهم لم يزر عدن منذ تعيينه.
البرلمان: من سيئون دعوات بلا استجابة
كان رئيس مجلس النواب سلطان البركاني قد طالب قبل سنوات، خلال افتتاح أول جلسة للبرلمان في 2019 من سيئون، بعودة المسؤولين والقيادات وإدارة شؤون البلاد من العاصمة المؤقتة، ودعا الرئيس هادي لإصدار قرار يلزم كل قادة الدولة بذلك، إلا أن القرار لم يصدر، وطاب لهم العيش خارج حدود اليمن.
قال البركاني حينها: "مصممون على هزيمة انقلاب الحوثيين ليستعيد الشعب اليمني دولته". ولكن كيف تُستعاد الدولة وغرفة العمليات يغيب عنها الموجّه لخوض معركة التحرير؟
ومنذ ذلك الحين، توالت الدعوات البرلمانية. ووصف النائب محمد الشدادي المسؤولين بالأشباح، حين قال: "لا يمكن لنا أن نحاسب حكومة شبح. نريد وزراء نراهم في المكاتب والشوارع، لا في تويتر والبيانات".
النائب شوقي القاضي، في يوليو 2026، أكد على "ضرورة عودة الحكومة بشكل كامل ودائم إلى العاصمة المؤقتة عدن، ومعالجة الأوضاع الأمنية والاقتصادية وتحسين الخدمات"، وجاءت دعوته مطابقة لدعوة عضو مجلس الشورى الشيخ صلاح باتيس، الذي طالبهم باتخاذ "قرار شجاع بعودة كل قادة الدولة فورًا: رئاسة وحكومة ونواب وشورى إلى أرض اليمن بشكل دائم".
بينما رأى البرلماني عبدالله العديني أن "إدارة البلاد من الخارج تضعف موقف الدولة، وتؤخر حسم الأزمات، وتعوق بناء المؤسسات وتوفير الخدمات".
وهي دعوات مضى عليها سنوات عجاف، ولا حياة لمن تنادي.
كل هذه المطالب لم تُترجم إلى إجراءات ملزمة.
قرار الزنداني يشعل الجدل
قبل أيام، جمّد رئيس الوزراء سالم بن بريك "شايع الزنداني" قرار منع سفر الوزراء إلا بإذن.
المبرر الذي تم تسريبه: "أسرهم في الخارج، ومن حقهم زيارتهم".
القرار فتح الباب أمام سؤال خطير: إذا كانت أسر الحكومة في الخارج، فمن يدير الداخل؟
لهذا، فإن الدعوات القديمة والجديدة من الشرفاء والوطنيين والغيورين على الوطن لم تكن وليدة اللحظة، وليست جديدة. هي تكرار لدعوات سابقة كان يطلقها سياسيون وبرلمانيون وشخصيات اجتماعية في كل مناسبة وطنية، حرصًا منها على ألا يكون لهذا الغياب تداعيات على السيادة والمشاريع والخدمات التي ينتظرها المواطن من مجلس القيادة ومن الحكومة.
إضافة إلى أن عدم حضور الدولة في العاصمة عدن مع مرور السنوات قد يؤدي إلى اتساع الفجوة بين الشعب و"الحكومة التي يُطلق عليها اليوم حكومة الفنادق"، التي تدير الأزمة اليومية في الإعلام ووسائل التواصل والتغريدات.
ولهذا، فإن مطلب العودة لم يعد مطلب نخبة، بل صار مطلب بقاء.
طالما ظلت عدن محطة عبور، وطالما كان تبرير الغياب هو "الأسرة في الخارج"، فستظل الدولة ناقصة، وستظل الأزمة تتعمق.
وكما قال أحد النواب في جلسة مغلقة: "الشعب يريد أن يرى دولته، لا أن يسمع عنها".
وإلى أن يحدث ذلك، سيظل السؤال معلقًا: من يحكم اليمن؟ ومن يتحمل مسؤولية فشل الحكم؟