اليمن حين يُغتال بالتقسيط .. الفساد كعقيدة وملاذ
خلال سنوات الحرب والضياع التي عاشها اليمن، وتجرع اليمنيون مآسيها وتآكلت فيها هيبة وسطوة الدولة، صار القانون يطوى تحت عسيب الجنبية، واصبح الفساد والمحسوبية واللصوصية شعار براق يختصر تحت يافطة "لكل وجه كرامة".
فليس مرعبًا أن تسطو عصابة على الخزينة، فاللصوص يذهبون في نهاية المطاف إلى السجون، والقانون مهما ضعف يظل يملك حبلًا يطوق به أعناق الجناة. الكارثة الحقيقية، والتي تجعل المرء يشعر بغصة إنسانية قاسية، هي أن يتسلل الفساد من الهوامش ليصبح "هوية" و"نمط حياة"، أن يتحول انحراف السلوك إلى مقياس للذكاء الاجتماعي، ويغدو الالتزام بالقانون مبررًا للسخرية والاتهام بالضعف.
هنا لا يعود الخطر مجرد أرقام تُسرق من الميزانية، بل يتحول إلى تجريف كامل لمعنى الدولة. حين يُسلب المال العام تُفقر الدولة، لكن حين تُسلب القيم تُمحى الدولة من وجدان مواطنيها. ينظر المواطن البسيط اليوم، في قلب المأساة اليمنية، فلا يرى القانون درعًا يحميه، بل يراه شبكة تصطاد الصغار وتتمزق أمام الكبار. المنصب لم يعد أمانة تُحمل على الأعناق بتواضع ووجل، بل أضحى غنيمة حرب، وسلّمًا سريعا للثراء السريع والوجاهة الكاذبة.
الأخطر في الواقع اليمني الحالي ليس وجود المسؤول الفاسد، بل وجود "صناعة كاملة" تحميه وتستثمر فيه. الفاسد لا يعمل في الفراغ؛ هو رأس جسد يضم الراشي، والوسيط، والموظف المتواطئ، والشيخ الذي يشفع، والمستفيد الذي يصفق. لقد صرنا أمام بيئة كاملة تشرعن السقوط؛ فالرشوة يُعاد تعريفها لتصبح "تسهيل أمور"، والمحسوبية ترتقي لتكون "شهامة وفزعة"، واستغلال النفوذ يُصنّف كنوع من "الروعة والحنكة".
لقد ملّ اليمنيون الخطب العصماء، وتعبوا من اللجان الوطنية وشعارات مكافحة الفساد التي تولد ميّتة في كل موسم سياسي. أسئلة الشارع البسيطة تصدم المنظومة بأسرها: أين هو المسؤول النافذ الذي وُضع غريمًا أمام العدالة؟ أين الأموال المنهوبة التي عادت لبناء مدرسة أو تشغيل مستشفى؟ الواقع يقدم إجابة مريرة: المسؤول في اليمن لا يُحاسب، بل يُدَوَّر. يُنقل من وزارة إلى أخرى، وكأن الدولة مكافأة ممتدة لمن يتقن اللعبة. الرسالة الضمنية التي تتلقاها الأجيال الجديدة مرعبة: الجريمة ليست في أن تسرق الوطن، بل في أن تعجز عن حماية نفسك بعد السرقة.
لم يعد الفساد في اليمن عاريًا؛ لقد وجد لنفسه أخطر أنواع الحصانات. تشكلت له سواتر سياسية ومناطقية وحزبية ومذهبية. فإذا كان الفاسد من معسكر الخصوم، فهو لص خائن ومجرم بحق الشعب، أما إذا كان من "جماعتنا" أو "حليفنا"، فهو رجل دولة قدّم خدمات جليلة ولا يجوز المساس به! هذا التسييس الخبيث للمحاسبة أغتال المعركة الأخلاقية، وأحال حرب مكافحة الفساد إلى مجرد تصفية حسابات سياسية، بينما يظل الفساد الحقيقي هو الكاسب الوحيد في هذه المحرقة.
إنقاذ اليمن لا يتطلب معجزات اقتصادية بقدر ما يتطلب شجاعة أخلاقية وسياسية حازمة. اليمن لا يحتاج إلى مزيد من القوانين المركونة على الرفوف، بل إلى "عدالة ناجزة يُشاهدها الجميع". عندما يرى المواطن المغلوب على أمره مسؤولاً نافذًا يمثل أمام القضاء، سيستعيد إيمانه بأن الدولة لم تزل حية. وعندما يدرك الموظف الصغير أن توقيعه خط أحمر وأن منصبه ليس درعًا ضد الحساب، ستشرق شمس العدالة من جديد.
نحن لا نخسر السيولة النقدية فقط؛ نحن نخسر أجيالًا تُفقد الأمل، ونخسر كرامة الإنسان الذي بات يشعر بالغرابة في أرضه. الانهيار الحقيقي ليس في سقوط المؤسسات، بل في انهيار المنظومة الأخلاقية التي تجعل المواطن يفخر بنزاهته.
الوطن ليس مزرعة خاصة، والدولة ليست هبة لأمراء الحرب وسماسرة السياسة. المعركة الفاصلة اليوم ليست مع أشخاص، بل مع "فكرة" مفادها أن النفوذ أقوى من الحق. ولن يبدأ التعافي الحقيقي إلا عندما يكف السؤال عن: "من الذي أفسد الوطن؟"، ليصبح السؤال الوحيد الذي يحدد مصيرنا: "من يملك الشجاعة ليُعيد للوطن كرامته وحقه في الحياة؟"
، ونعود لحبنا لليمن وننادى للص بلقبه الأصلي، والمرتشي مرتشيا والفاسد فاسدًا، حينها فقط سنعرف معنى الوطن الحقيقي الذي ننشده.