تحرير اليمن من الحوثي اقترب... فهل أصبح اليمنيون جاهزون للحظة الحسم؟
بعد أكثر من عقد على انقلاب الحوثيين وسيطرتهم على مؤسسات الدولة في صنعاء، يبدو أن اليمن يقف أمام مرحلة مختلفة من مراحل الصراع. فالمشهد الإقليمي لم يعد كما كان، وإيران تواجه ضغوطاً متزايدة، وشبكة النفوذ التي بنتها في المنطقة تتعرض لاختبارات متلاحقة، بينما أصبح أمن البحر الأحمر وباب المندب والخليج جزءاً من معادلة الأمن الدولي.
في المقابل، لم يعد استمرار الوضع اليمني القائم أمراً يمكن التعامل معه باعتباره حالة مؤقتة، فالحوثيون تحولوا من جماعة مسلحة تسيطر على العاصمة صنعاء إلى طرف إيراني يستخدم الجغرافيا اليمنية في صراعات تتجاوز حدود البلاد وتخدم المصالح الإيرانية على حساب المصلحة اليمنية.
ولهذا فإن السؤال لم يعد فقط: هل يمكن تحرير اليمن من الحوثي؟
بل أصبح السؤال الأكثر أهمية: هل أصبح اليمنيون جاهزون للحظة الحسم التي يصبح فيها تحرير اليمن ممكناً وواقعا عمليا؟
ان البيئة الإقليمية قد تغيرت و أحد أهم المتغيرات التي يجب أن يقرأها اليمنيون جيداً هو أن المنطقة تدخل مرحلة جديدة من إعادة تشكيل موازين القوى واصبح الاقليم و العالم مقتنع قناعة كاملة بالقضاء على الذراع الحوثي الذي استهدف الجميع محليا واقليميا و دوليا.
فلقد اعتمد الحوثيون طوال السنوات الماضية على شبكة واسعة من الدعم السياسي والعسكري والتقني الإيراني، واستفادوا من موقع اليمن الجغرافي للضغط على الملاحة الدولية وتهديد المصالح الإقليمية والدولية وضرب الاقتصاد اليمني ويحاول ضرب اقتصاد الجيران و خنق الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية.
لكن هذه المعادلة ليست ثابتة، فإيران تواجه ضغوطاً سياسية واقتصادية وأمنية متزايدة في الوقت الحالي، كما أن أدوات نفوذها الإقليمية أصبحت أمام اختبارات حقيقية سواء في العراق او لبنان، وكذلك صعوبة الحصول على دعم ايراني للحوثي وهذا لا يعني أن الدعم الإيراني للحوثيين انتهى، لكنه يعني أن قدرة طهران على إدارة ساحات متعددة بالفاعلية نفسها أصبحت أكثر تعقيداً.
وهنا تظهر فرصة تاريخية أمام اليمنيين، فكلما انشغلت إيران بأزماتها، وكلما تراجعت قدرتها على إدارة أدواتها الخارجية، أصبح المجال أوسع أمام اليمنيين لإعادة بناء معادلتهم الوطنية.
لكن الفرص لا تنتظر أحداً، فالحوثي بين القوة العسكرية والمأزق السياسي
قد يمتلك الحوثيون السلاح والصواريخ والطائرات المسيّرة والقدرة على تهديد الملاحة، لكن امتلاك القوة العسكرية لا يعني امتلاك الشرعية السياسية أو القدرة على بناء دولة.
وهنا تكمن إحدى نقاط الضعف الأساسية في المشروع الحوثي.
فالجماعة تستطيع فرض السيطرة بالقوة، لكنها لا تستطيع بالقوة وحدها حل الأزمة الاقتصادية، أو بناء مؤسسات الدولة، أو تحقيق التنمية، أو إنتاج توافق وطني مستدام.
كما أن تحويل اليمن إلى منصة للصراع الإقليمي يضع البلاد أمام خطر استمرار العزلة الاقتصادية والسياسية، ويجعل مستقبل اليمن مرتبطاً بحسابات قوى خارجية لا بالمصلحة الوطنية اليمنية.
والسؤال الذي ينبغي أن يطرح اليوم هو:
إلى متى يستطيع الحوثي أن يحكم اليمن بمنطق الحرب، بينما يحتاج اليمن إلى منطق الدولة؟
البحر الأحمر وباب المندب: من ورقة ضغط إلى عبء استراتيجي
لقد كشفت السنوات الأخيرة أن الموقع الجغرافي لليمن يمكن أن يكون ثروة استراتيجية هائلة، لكنه يمكن أيضاً أن يتحول إلى عبء عندما تستخدمه جماعة مسلحة في الصراع الإقليمي.
فباب المندب ليس شأناً يمنياً محلياً فقط، والبحر الأحمر ليس ساحة يمكن لأي طرف أن يتصرف فيها بمعزل عن العالم.
كل تهديد للملاحة الدولية يرفع أهمية اليمن في الحسابات الدولية، لكنه في الوقت نفسه يضاعف الضغوط على اليمنيين ويجعل البلاد أكثر ارتباطاً بالصراعات الإقليمية.
ولهذا فإن استعادة الدولة اليمنية ليست قضية داخلية فقط، بل أصبحت جزءاً من معادلة أمن البحر الأحمر والخليج وممرات التجارة العالمية.
ومن هنا يمكن أن تتقاطع المصلحة اليمنية مع مصالح الدول العربية والمجتمع الدولي: اليمن المستقر يعني بحراً أحمر أكثر أمناً، وممرات تجارية أكثر استقراراً، ومنطقة أقل قابلية للاشتعال.
ورغم كل الدعم السعودي الذي لا يمكن انكاره فالمملكة هي الحليف الصادق وكذلك بقية دول الخليج العربي الا ان الدعم وحده لا يصنع الدولة نيابة عن اليمنيين
لا يمكن تجاهل الدور الذي لعبته السعودية ودول الخليج في دعم الشرعية اليمنية ومواجهة الانقلاب وحماية أمن المنطقة متذ الانقلاب الحوثي وحتى الان،
لكن المرحلة القادمة تحتاج إلى صيغة مختلفة،
اليمنيون لا يحتاجون إلى أن يحارب الآخرون نيابة عنهم بقدر ما يحتاجون إلى دعم سياسي واقتصادي وعسكري لبناء قوة وطنية قادرة على استعادة الدولة.
وهنا يجب أن تكون الرسالة واضحة:
الدعم الإقليمي يمكن أن يساعد في تحرير اليمن، لكنه لا يستطيع أن يحرر اليمن من دون مشروع يمني موحد.
ولهذا فإن العلاقة المستقبلية بين اليمن ودول الخليج يجب أن تقوم على شراكة استراتيجية: يمن قوي ومستقر وموحد، في مقابل محيط إقليمي آمن ومستقر.
المشكلة ليست في غياب القوة... بل في تشتتها
من أكبر المفارقات في الأزمة اليمنية أن القوى المناهضة للحوثي تمتلك إمكانات سياسية وعسكرية وجغرافية كبيرة، لكنها لم تستطع حتى الآن تحويل هذه الإمكانات إلى قوة وطنية موحدة،
السبب ليس غياب الرجال ولا غياب السلاح ولا غياب الدعم الخارجي،
المشكلة في تعدد مراكز القرار وتضارب المشاريع السياسية،
فلا يمكن هزيمة مشروع مسلح منظم بجبهات سياسية وعسكرية متفرقة.
ولهذا فإن الخطوة الأولى نحو التحرير ليست بالضرورة إطلاق معركة عسكرية، وإنما توحيد القرار اليمني.
رئيس واحد و
حكومة فاعلة و
مؤسسة عسكرية واحدة و
قرار أمني موحد ومشروع سياسي جامع ومؤسسات دولة لا تتبع الأشخاص أو الأحزاب أو المناطق.
لا بد من إنهاء تعدد المشاريع
اليمن اليوم بحاجة إلى اتفاق تاريخي بين القوى المناهضة للحوثي على سؤال واحد:
ماذا نريد بعد إسقاط الانقلاب؟
إذا كان الجواب هو دولة يمنية واحدة، فيجب أن يكون ذلك واضحاً،
وإذا كان الهدف بناء دولة اتحادية، فيجب أن يكون ذلك عبر التوافق والدستور والاستفتاء، وليس عبر فرض الأمر الواقع،
وإذا كانت هناك مطالب جنوبية أو محلية أو سياسية مشروعة، فيجب التعامل معها بالحوار والآليات السياسية والقانونية،
فالخطر ليس فقط في استمرار الحوثي، وإنما أيضاً في أن يؤدي سقوطه إلى انفجار صراعات جديدة بين القوى التي ستتنافس على إرث الدولة،
ولهذا فإن مشروع ما بعد الحوثي يجب أن يبدأ قبل مرحلة سقوط الحوثي، لا بعدها.
التحرير ليس انتقاماً
من المهم أن تكون الرسالة السياسية للقوى اليمنية واضحة: تحرير اليمن لا يعني الانتقام من ملايين اليمنيين الذين عاشوا تحت سلطة الحوثيين، ولا يعني فتح أبواب الثأر أو الإقصاء،
التحرير يعني إنهاء سيطرة الجماعة المسلحة على الدولة،
يعني إعادة الجيش إلى مؤسسات الدولة،
يعني إعادة القضاء إلى استقلاله،
يعني إطلاق المعتقلين وفق القانون،
يعني حماية المدنيين،
و هذا يعني فتح الباب أمام جميع اليمنيين للمشاركة في بناء الدولة، باستثناء من تورط في جرائم وفق إجراءات قضائية عادلة،
وهذا هو الفرق بين تحرير الدولة وإعادة إنتاج الحرب،
و عليه فإن اليمن بعد الحوثي يجب ألا يكون نسخة من اليمن قبله
هذه نقطة لا يجوز تجاهلها،
فالانقلاب الحوثي لم يأتِ من فراغ، بل جاء في بيئة كانت تعاني من ضعف مؤسسات الدولة، والفساد، والانقسامات السياسية والاجتماعية، واختلالات اقتصادية وأمنية عميقة.
ولهذا فإن مجرد إسقاط الحوثي لن يحل المشكلة إذا لم تتغير البيئة التي أنتجت الانقلاب،
اليمن القادم يجب أن يكون دولة مؤسسات،
دولة قانون.
دولة مواطنة،
دولة لا يستطيع فيها أي طرف أن يمتلك جيشاً خاصاً،
ولا يجوز أن تتحول مرحلة ما بعد الحوثي إلى صراع جديد بين أمراء الحرب.
الهدف ليس استعادة الماضي، وإنما صناعة مستقبل أفضل.
فهل اقتربت لحظة الحسم؟
قد يكون من المبكر تحديد موعد أو سيناريو عسكري لتحرير صنعاء أو إنهاء سيطرة الحوثيين،
لكن المؤشرات السياسية والاستراتيجية تقول إن البيئة التي سمحت باستمرار الوضع القائم لسنوات طويلة تشهد تغيرات مهمة،
وهذه التغيرات قد تفتح نافذة جديدة أمام اليمنيين،
لكن النافذة لا تعني النتيجة.
فالفرصة قد تضيع إذا بقيت القوى المناهضة للحوثي منقسمة، وقد تتحول إلى نقطة تحول تاريخية إذا استطاعت هذه القوى بناء مركز قرار وطني موحد.
وهنا تحديداً تكمن مسؤولية القيادة اليمنية.
التاريخ قد يمنح اليمنيين فرصة، لكنه لن يمنحهم دولة جاهزة.
المطلوب الآن: إعلان مشروع وطني للتحرير
إذا كانت القوى اليمنية جادة في استعادة الدولة، فقد حان الوقت للانتقال من ردود الأفعال إلى الاستراتيجية.
المطلوب إعلان مشروع وطني واضح يقوم على:
أولاً: توحيد القيادة السياسية والعسكرية.
ثانياً: توحيد كل القوات تحت مؤسسة عسكرية وطنية.
ثالثاً: تحديد هدف سياسي واضح للتحرير وما بعده.
رابعاً: بناء توافق وطني حول شكل الدولة ونظامها السياسي.
خامساً: وضع خطة اقتصادية عاجلة لإنقاذ اليمن بعد الحرب.
سادساً: الاستعداد لإعادة الإعمار وعودة النازحين والمهجرين.
سابعاً: ضمان شراكة عربية ودولية في إعادة بناء الدولة اليمنية.
ثامناً: منع أي طرف خارجي من تحويل اليمن إلى ساحة نفوذ أو صراع دائم.
وختاما فأن اليمن أمام لحظة تاريخية
قد لا يكون السؤال اليوم: هل يستطيع الحوثي الاستمرار إلى الأبد؟
فلا جماعة مسلحة تستطيع أن تبني دولة مستقرة إلى ما لا نهاية، ولا يمكن لليمن أن يبقى رهينة لصراع إقليمي مفتوح.
ان السؤال الحقيقي المطروح على الجميع هو:
هل يستطيع اليمنيون أن يكونوا جاهزين عندما تتغير الظروف؟
إن تحرير اليمن لن تصنعه الضربات الجوية وحدها، ولن تصنعه العقوبات، ولن تصنعه الوساطات الدولية،
ستصنعه أولاً إرادة يمنية موحدة، مدعومة بموقف عربي وإقليمي ودولي يساعد اليمنيين على استعادة دولتهم،
لقد تغيرت المنطقة، وتتغير معها حسابات القوى الكبرى، وأصبح الحوثي جزءاً من معادلة إقليمية أكبر من اليمن،
لكن هذه المعادلة يمكن أن تنقلب عندما يستعيد اليمنيون زمام المبادرة.
ولذلك فإن الرسالة اليوم ليست دعوة إلى حرب جديدة من أجل الحرب، وإنما دعوة إلى الاستعداد لمرحلة قد يصبح فيها إنهاء الانقلاب واستعادة الدولة أكثر واقعية من أي وقت مضى،
تحرير اليمن اقترب... لكن اقتراب الفرصة لا يعني تحققها،
إنها مسؤولية اليمنيين أولاً،
فإما أن يوحدوا صفوفهم ويبادروا إلى بناء مشروع الدولة، وإما أن تضيع فرصة أخرى ويستمر اليمن ساحة مفتوحة لصراعات الآخرين،
اليمن ليس فقيراً بالإمكانات، وإنما أُنهك بالانقسام،
وحين يتوحد اليمنيون حول الدولة، يصبح تحرير الوطن ممكناً،
اليمن يستحق دولة واحدة، وجيشاً واحداً، وقراراً واحداً، ومستقبلاً واحداً.
نعم... تحرير اليمن من الحوثي اقترب، لكن اللحظة التاريخية لن تتحول إلى واقع إلا عندما يمتلك اليمنيون شجاعة القرار ووحدة الصف وإرادة الفعل.
أكاديمي ومحلل سياسي يمني