طريق صنعاء–عدن.. حين يتحول السفر إلى معاناة

منذ ساعة
مشاركة الخبر:

لم يعد السفر بين صنعاء وعدن مجرد رحلة طويلة على طريق أنهكته الحرب وتدهورت بنيته التحتية، بل أصبح بالنسبة لكثير من اليمنيين رحلة شاقة تتخللها نقاط تفتيش وإجراءات متكررة، وما يرافق ذلك أحيانًا من انتظار وتفتيش واستجواب ومضايقات. وفي ظل هذه الظروف، يبرز سؤال بسيط لكنه مؤلم: إلى متى سيظل المواطن يدفع ثمن الانقسام والحرب من وقته وماله وراحته وكرامته؟
طريق صنعاء–عدن يمثل شريانًا حيويًا لمئات الآلاف من اليمنيين. فهو طريق المرضى الباحثين عن العلاج، والطلاب والموظفين والتجار، والأسر التي تضطر إلى التنقل بين المحافظات لقضاء شؤونها. وكان يفترض أن يكون هذا الطريق ممرًا لحركة المواطنين، لكنه تحول في كثير من الأحيان إلى رحلة استنزاف تبدأ منذ لحظة مغادرة المسافر ولا تنتهي إلا عند وصوله إلى وجهته.
ولا يمكن تحميل هذه المعاناة لجهة واحدة، فطريق صنعاء–عدن يمر بمناطق تخضع لسلطات وأجهزة أمنية مختلفة، ما يجعل مسؤولية تنظيم حركة المسافرين وحمايتهم مسؤولية مشتركة تقع على عاتق الجهات القائمة في مختلف مناطق الطريق، كلٌّ في نطاق سيطرته وصلاحياته.
فالخلافات السياسية والعسكرية لا ينبغي أن تتحول إلى عبء إضافي على المواطن، ولا أن يصبح المسافر الحلقة الأضعف التي تدفع ثمن الانقسام من خلال تكرار الإجراءات وتعدد نقاط التفتيش وتعطيل حركة الناس.
لا أحد يعترض على الإجراءات الأمنية التي تهدف إلى حماية المواطنين وتأمين الطرق. وفي ظروف الحرب، قد يكون التحقق من هويات المسافرين وتفتيش المركبات والأمتعة أمرًا ضروريًا. لكن المشكلة تبدأ عندما تتكرر الإجراءات ذاتها في نقاط متتالية، ويضطر المسافر إلى شرح وجهته وسبب سفره أكثر من مرة، أو الانتظار لفترات طويلة دون مبرر واضح.
عندها يتحول الإجراء الأمني من وسيلة لحماية المواطن إلى عبء إضافي عليه.
وتزداد المعاناة عندما يكون المسافر مريضًا أو كبيرًا في السن أو امرأة حامل أو طفلًا يحتاج إلى العلاج. فبالنسبة للمريض، قد لا تكون ساعة التأخير مجرد وقت ضائع، وإنما قد تعني التأخر عن موعد طبي أو فحص أو عملية. وليس من المنطقي أن يتحول السفر من أجل العلاج إلى اختبار لقدرة المريض على تحمل الانتظار لساعات عند نقاط التفتيش.
ولا تتوقف آثار هذه التأخيرات عند الطريق نفسه. فهناك مسافرون ينتقلون من صنعاء إلى عدن للوصول إلى المطار والسفر جوًا، ويختارون الطريق البري أساسًا لتقليل تكاليف الإقامة والفنادق. لكن عندما تؤدي الازدحامات والتأخيرات المتكررة إلى تعطيل الرحلة، قد يجد المسافر نفسه أمام خسائر لم تكن في الحسبان: رحلة جوية فائتة، وتذكرة جديدة، وفندق ومصاريف إضافية.
وهنا يصبح السؤال مشروعًا: من يتحمل خسائر المواطن الذي يفوّت رحلته الجوية بسبب تأخير لم يكن طرفًا فيه؟
المسافر لا يريد المستحيل. هو يريد طريقًا آمنًا، ونقاط تفتيش تؤدي وظيفتها بوضوح، وإجراءات محددة ومعروفة، وتعاملًا يحفظ كرامته. وإذا كانت هناك حاجة أمنية للتفتيش، فمن الممكن تنظيمه بطريقة أكثر كفاءة، تقلل التكرار وتختصر الوقت، بدل أن يجد المواطن نفسه أمام سلسلة طويلة من النقاط التي تعيد الأسئلة والإجراءات نفسها.
والأهم من ذلك أن احترام المسافر يجب أن يكون قاعدة لا استثناء. فالمواطن اليمني ليس طرفًا في الصراع، وقد يكون مسافرًا بحثًا عن العلاج أو العمل أو الدراسة، أو لزيارة أسرته، أو للحاق برحلة جوية. ومن حقه أن يعبر الطريق بأمان وكرامة، كما أن من واجب الجهات المسؤولة مراعاة أوضاع المرضى وكبار السن والحالات الإنسانية.
المطلوب ليس إلغاء الإجراءات الأمنية أو فتح الطرق بلا رقابة، وإنما تنظيمها بطريقة أكثر كفاءة وإنسانية، من خلال تقليل التكرار، وتوحيد الإجراءات قدر الإمكان، وتحديد صلاحيات أفراد نقاط التفتيش، ومنع أي تجاوزات أو إساءات بحق المسافرين، ومحاسبة من يسيء استخدام صلاحياته.
كما أن التنسيق بين الجهات المسؤولة في مختلف مناطق الطريق أصبح ضرورة، لأن المواطن لا علاقة له بالحدود السياسية والعسكرية التي فرضتها الحرب على البلاد. هو يريد فقط أن يصل إلى وجهته في الوقت المناسب، وبأقل قدر ممكن من المشقة.
إن طريق صنعاء–عدن ليس ملكًا لنقطة تفتيش أو جهة بعينها، بل هو طريق اليمنيين جميعًا. ومن حق اليمني أن يسافر فيه بأمان وكرامة، سواء كان متجهًا إلى مستشفى أو جامعة أو عمل أو أسرة أو مطار.
لقد أنهكت الحرب اليمنيين بما يكفي، ولا ينبغي أن تتحول رحلة السفر بين مدن البلاد إلى معاناة إضافية يدفع المواطن ثمنها من صحته وماله ووقته.
المطلوب اليوم ليس الكثير: طريق آمن، وإجراءات واضحة، وتفتيش منظم، وتعامل يحترم الإنسان. وعندما تتحقق هذه الأمور، يصبح طريق صنعاء–عدن طريقًا للسفر والتنقل، لا طريقًا إضافيًا لمعاناة اليمنيين.