البيضاء .. جبهة استراتيجية قد تعيد رسم خريطة المواجهة مع عصابة الحوثي
تتجه الأنظار مجددًا إلى محافظة البيضاء، وسط اليمن، مع تصاعد الحديث عن تحرك عسكري للقوات الحكومية والقوى المناهضة للحوثيين بهدف استعادة المحافظة، التي ينظر إليها محللون عسكريون باعتبارها واحدة من أكثر المناطق تأثيرًا في معادلة الصراع، ليس بسبب مساحتها فحسب، وإنما لموقعها الذي يربط بين مناطق نفوذ متباينة ويجعلها متاخمة لثماني محافظات، هي مأرب وشبوة وأبين ولحج والضالع وإب وذمار وصنعاء.
ويرى محللون أن تحرير البيضاء يمكن أن يمنح القوات الحكومية مكاسب عسكرية متزامنة، أبرزها تخفيف الضغط عن مأرب وتأمين الاتجاهات الجنوبية والشرقية للمحافظة، وتعزيز أمن شبوة وأبين وأجزاء من الضالع، فضلًا عن فتح مسارات ضغط باتجاه ذمار وإب.
كما أن السيطرة على البيضاء ستمنح القوات المناهضة للحوثيين موقعًا متقدمًا يمكن من خلاله تهديد خطوط إمداد الجماعة بين مناطق سيطرتها في الوسط والشمال، وربط عدد من الجبهات التي ظلت منفصلة خلال سنوات الحرب.
ويصف محللون عسكريون محافظة البيضاء بأنها مفصل جغرافي بين صنعاء ومناطق النفط في مأرب وشبوة ومناطق الجنوب، ويرون أن السيطرة عليها يمكن أن تتيح الضغط على خطوط الحوثيين المتجهة إلى إب وتعز والضالع.
ولا تقتصر أهمية المعركة على المكاسب الجغرافية، إذ يرى خبراء عسكريون أن فتح جبهة واسعة في البيضاء سيجبر الحوثيين على إعادة توزيع قواتهم ومواردهم بين أكثر من محور، بدل تركيز ثقلهم في جبهة واحدة، وهو ما قد يخفف الضغط عن مأرب والجبهات المحيطة بها ويمنح القوات الحكومية مساحة أكبر للمناورة.
كما أن السيطرة على مواقع جديدة في البيضاء قد تحول المحافظة إلى منصة ضغط على ذمار وإب، وتفتح الطريق أمام تحركات عسكرية لاحقة باتجاه مناطق أكثر قربًا من مركز الثقل الحوثي في صنعاء.
ويبرز عامل آخر في الحسابات العسكرية، يتمثل في طبيعة البيضاء القبلية والجغرافية؛ فالمحافظة كانت من أوائل مناطق المواجهة المسلحة مع الحوثيين، وشهدت مقاومة محلية طويلة للجماعة.
ويرى محللون أن استعادة المحافظة لن تكون مجرد انتصار ميداني إذا تمكنت القوات الحكومية من تثبيت مواقعها فيها، بل قد تتحول إلى نقطة تغيير في خريطة الحرب، عبر حماية مأرب وشبوة، وإرباك خطوط الإمداد الحوثية، وفتح أكثر من محور باتجاه مناطق سيطرة الجماعة.
غير أن نجاح أي عملية واسعة سيبقى مرتبطًا بقدرة القوات المهاجمة على تأمين خطوط الإمداد، واستثمار العامل القبلي، ومنع الحوثيين من تحويل المعركة إلى حرب استنزاف طويلة.
وبهذا المعنى، فإن أهمية البيضاء لا تكمن في السيطرة على محافظة جديدة فحسب، بل في إمكانية إعادة توزيع ثقل المعركة على امتداد جغرافيا واسعة؛ فنجاح القوات الحكومية في فتح جبهة فاعلة ومستدامة هناك قد يضع الحوثيين أمام معادلة عسكرية أكثر تعقيدًا، تتمثل في الدفاع عن مواقعهم في البيضاء، وحماية خطوطهم نحو ذمار وإب، وفي الوقت ذاته مواجهة الضغوط القائمة في مأرب وشبوة والضالع.