أزمة المرجعيات الأممية في اليمن .. معضلة السلام المفقود بين إنفاذ الشرعية وتثبيت الأمر الواقع

أزمة المرجعيات الأممية في اليمن .. معضلة السلام المفقود بين إنفاذ الشرعية وتثبيت الأمر الواقع
مشاركة الخبر:

​يشهد الملف اليمني تعقيدات مستمرة في ظل تضارب المقاربات السياسية والعسكرية حول سبل إنهاء الانقلاب. وبينما تضغط الدوائر الأمميّة والدولية باستمرار نحو فرض صيغ للتهدئة ووقف إطلاق النار، تبرز تحذيرات قانونية وسياسية واسعة النطاق من خطورة الانزلاق نحو صفقات جزئية قد تفضي إلى تكريس الانقلاب المسلح ومنحه شرعية أمر واقع.
هذه الإشكالية تعيد فتح النقاش حول مدى التزام الأطراف الدولية بالقرارات الحاكمة للنزاع، وكيفية موازنة الحاجة الملحة لوقف الحرب مع متطلبات استعادة الدولة وسيادتها وفق المرجعيات الدولية المعتمدة.

​رأي الخبير الدستوري:
المرجعية القانونية كضمانة لاستمرار النظام العام
يؤكد الخبير في القانون الدولي الدكتور أحمد الشرجبي أن الهندسة القانونية للأزمة اليمنية تستند إلى حزمة من قرارات مجلس الأمن الصادرة تحت الفصل السابع، والتي لا تقبل الترحيل التفاوضي أو إعادة التفسير. 
يوضح الشرجبي أن القرارات الأممية وضعت توصيفاً قانونياً دقيقاً للأفعال الأحادية التي قامت بها الميليشيات المسلحة عبر الاستيلاء على مقدرات الدولة ومؤسساتها العاصمة، 
مشدداً على أن أي تسوية سياسية تتجاوز متطلبات الانسحاب ونزع السلاح وعودة المؤسسات الشرعية تعتبر باطلة قانونياً، لأنها تنشئ سابقة خطيرة تشرعن الاستيلاء على السلطة بالقوة المسلحة وتتقاطع مع قواعد القانون الدولي العام.

​مقاربة المحلل السياسي:
مخاطر تجميد الصراع على حساب استقرار الدولة
يشير الباحث السياسي عبد الله العامري إلى أن الفجوة تظل واسعة بين مفهوم "السلام العادل والشامل" ومفهوم "إدارة النزاع المؤقت". يرى العامري أن الدعوات المتكررة للتهدئة ووقف العمليات العسكرية بمعزل عن إنهاء أسباب الأزمة الجذرية تتحول عملياً إلى وسيلة لتجميد الصراع وتكريس تجزئة البلاد. 
هذا الواقع يفرز كيانات موازية تتحكم بمقدرات الشعب وتستغل الهدن لتعزيز قدراتها، مما يجعل من التحركات العسكرية للشرعية والقوى الوطنية أداة ضرورية لتصحيح المسار وإعادة التوازن المفقود على الأرض، وإجبار الطرف الانقلابي على الخيار السلمي الحقيقي.

​رؤية الناشط الحقوقي: 
الكلفة الإنسانية لاستمرار الوضع غير المشروع
يؤكد الحقوقي رضوان المليكي أن الجدل القانوني والسياسي حول القرارات الدولية يترجم على الأرض كلفة باهظة يدفعها المدنيون يومياً.
يوضح المليكي أن بقاء مؤسسات الدولة تحت سيطرة جماعات مسلحة تسبب في انهيار منظومة الحقوق والحريات، وتفشي الانتهاكات الجسيمة كالتجنيد القسري للأطفال، وتقويض شبكات الأمان الاجتماعي، وتدمير الخدمات الأساسية. ويخلص إلى أن أي صيغة سياسية تتغاضى عن استعادة الدولة وحمايتها تعني بوضوح استمرار معاناة ملايين اليمنيين وحرمانهم من أبسط مقومات العيش الكريم في دولة مواطنة عادلة.

​موقف الخبير الاستراتيجي: 
تداعيات الأزمة على الأمن الإقليمي والملاحة
يعتبر الخبير العسكري والاستراتيجي العميد مبروك السفياني أن المعضلة اليمنية تجاوزت حدودها المحلية لتلقي بظلالها الثقيلة على الأمن القومي الإقليمي والملاحة الدولية. يشير السفياني إلى أن العمليات العدائية المستمرة ضد خطوط التجارة العالمية في البحر الأحمر وباب المندب هي النتيجة الطبيعية لبقاء جماعة مسلحة خارج سيطرة الدولة ومؤسساتها. وعليه، فإن أي مقاربة دولية لتسوية الأزمة تتجاهل أولوية استعادة السلاح ونزع الصفة العسكرية عن الميليشيات ستفشل في تأمين الممرات المائية الحيوية، مما يجعل الدعم لجهود استعادة مؤسسات الدولة مطلباً أمنياً إقليمياً ودولياً ملحاً.

​الختام:
​تتجلى خطورة المشهد اليمني الراهن في محاولة طمس الخطوط الفاصلة بين الشرعية الدستورية والانقلاب المسلح عبر تسويات هشة لا تصنع سلاماً بقدر ما تؤجل الانفجار.
إن التمسك بالقرارات الأممية ذات الصلة لا يمثل تعنتاً سياسياً، بل هو الضمانة الوحيدة لعدم مكافأة القوة الغاشمة وتحويل الدول الفاشلة إلى محميات للميليشيات. 
إن المخرج الحقيقي يتطلب إرادة دولية جادة للضغط باتجاه إنفاذ القرارات الحاكمة وتفكيك بنية الانقلاب، لضمان عودة اليمن إلى محيطه الطبيعي مستقراً وآمناً، وهو ما يبقي الرهان قائماً على مدى التزام المجتمع الدولي بالعدالة ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة.