"شباب هتلر" بنسخة حوثية .. كيف تُدجَّن المليشيا عقول الأطفال والشباب ليصبحوا وقودًا للحرب في اليمن؟

"شباب هتلر" بنسخة حوثية .. كيف تُدجَّن المليشيا عقول الأطفال والشباب ليصبحوا وقودًا للحرب في اليمن؟
استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي
مشاركة الخبر:

لا تبدأ معركة الحوثيين مع الطفل اليمني عند لحظة دفعه إلى الجبهة، بل تبدأ في مرحلة أسبق بكثير، داخل المدرسة والمراكز الثقافية والمخيمات الصيفية والأنشطة التي تستهدف الناشئة والشباب.

فبحسب تقارير حقوقية وأممية، اعتمدت عصابة الحوثي على مزيج من التلقين الأيديولوجي والعسكرة والتجنيد، بما في ذلك استقطاب طلاب من المدارس وإخضاعهم لخطاب تعبوي قبل نقلهم إلى معسكرات التدريب والجبهات.

وذكرت هيومن رايتس ووتش أن عمليات التجنيد داخل المدارس ازدادت، وأن أطفالًا نُقلوا إلى مراكز ثقافية تلقى فيها محاضرات حول «الجهاد» قبل إرسالهم إلى معسكرات عسكرية وخطوط القتال.

وتكشف هذه الممارسات عن منظومة تتعامل مع العقل باعتباره ساحة معركة. فبدل أن يكون التعليم مساحة لبناء شخصية الطفل وتنمية التفكير النقدي، يتحول في بيئة الحرب إلى وسيلة لإعادة تشكيل الوعي، وتقديم الصراع باعتباره معركة وجود، وتصوير الموت في الجبهات باعتباره بطولة وواجبًا، بينما يجري إضعاف قدرة الناشئ على مساءلة الخطاب الذي يتلقاه.

وفي تقرير سابق لفريق خبراء الأمم المتحدة بشأن اليمن، وُصفت استراتيجية تجنيد الأطفال الحوثية بأنها تجمع بين التلقين الأيديولوجي والتعليم المُعسْكر والاستغلال الانتقائي للمساعدات بهدف دعم التجنيد والاستخدام العسكري للأطفال.

ولا تقف عملية «هندسة العقول» عند استقطاب الأطفال، بل تمتد إلى إنتاج بيئة اجتماعية وإعلامية وثقافية تعيد تعريف مفاهيم البطولة والتضحية والعدو والواجب. وهنا تظهر خطورة القائمين على برامج التوجيه والتعبئة؛ إذ يصبح دورهم، في التحليل السياسي والاجتماعي، أشبه بدور مهندسي الوعي الذين يمهدون نفسيًا لتحويل الشاب من متلقٍ للدعاية إلى مقاتل مستعد للذهاب إلى الجبهة.

وقد وثقت الأمم المتحدة استمرار تجنيد واستخدام الأطفال في اليمن، كما أدرجت جماعة الحوثي ضمن الجهات المتورطة في انتهاكات جسيمة ضد الأطفال.

تشابه في الآليات مع التجربة النازية
ومن الناحية التاريخية، يمكن إجراء مقارنة بين هذه آليات تجنيذ عصابة الحوثي وبين ما فعله النظام النازي في ألمانيا، والتشابه في استخدام السلطة للتلقين المبكر وتعبئة الشباب لخدمة مشروع سياسي وعسكري.
فقد أنشأ النازيون منظمات شبابية، أبرزها «شباب هتلر»، بهدف تشكيل معتقدات وسلوك وتفكير الأطفال والمراهقين، وربط التربية بالتعبئة السياسية والعسكرية.
ويوثق متحف ذكرى الهولوكوست بالولايات المتحدة أن النظام النازي أدخل أيديولوجيته إلى التعليم والحياة العامة، واستخدم «شباب هتلر» لتلقين الشباب وتحويل المجتمع تدريجيًا وفق رؤيته.
وكانت الدعاية النازية جزءًا أساسيًا من هذه المنظومة؛ إذ أنشأ النظام وزارة للدعاية هدفها التأثير في الرأي العام والسلوك، فيما جرى توظيف الإعلام والتعليم والثقافة في نشر الأيديولوجيا وإنتاج صورة للعدو تبرر الإقصاء والعنف والحرب. 
كما شارك المعلمين والأكاديميين والمهنيين في تنفيذ أو دعم سياسات النظام، وهو ما يوضح أن السيطرة على العقول لم تكن مهمة الأجهزة الأمنية وحدها، بل كانت مشروعًا مؤسسيًا واسعًا.
ومن هنا تبدو خطورة نموذج «التلقين ثم التعبئة ثم التجنيد»؛ فالطفل الذي يُحرم من التعليم المحايد ويُغرق في خطاب تعبوي منذ سنواته الأولى يصبح أكثر قابلية لتقبل العنف بوصفه أمرًا طبيعيًا، خصوصًا عندما تترافق الدعاية مع ضغوط اجتماعية واقتصادية ومعيشية كما يحصل في مناطق عصابة الحوثي. 
وهذه هي النقطة التي تجعل تجنيد الأطفال قضية تتجاوز الجانب العسكري إلى كونها اعتداءً على مستقبل المجتمع نفسه.

من المدرسة إلى الجبهة
الخطر الأكبر لا يكمن فقط في سقوط طفل أو شاب في معركة، وإنما في إعادة إنتاج دورة الحرب. فكل جيل يجري تلقينه وتعبئته يصبح مصدرًا محتملًا لجيل جديد من المقاتلين، وهو ما يجعل الحرب قابلة للاستمرار حتى عندما تتراجع حدتها ميدانيًا.
وقد وثقت تقارير حقوقية منذ سنوات استخدام الحوثيين للأطفال في أدوار عسكرية مختلفة، من الاستطلاع والحراسة ونقل الرسائل إلى القتال المباشر، في انتهاك للقواعد الدولية التي تحظر تجنيد الأطفال واستخدامهم في النزاعات المسلحة.
وهكذا تتحول الجبهة إلى النهاية الظاهرة لعملية تبدأ خلف أبواب المدارس والمراكز الثقافية ومخيمات التعبئة. 
وما يبدو في الميدان شابًا يحمل السلاح هو، في اغلب الحالات، نتاج سنوات من إعادة تشكيل الوعي والتطبيع مع فكرة الموت والعنف. ولذلك فإن مواجهة ظاهرة تجنيد الأطفال لا ينبغي أن تقتصر على استعادة من جرى دفعهم إلى الجبهات، بل يجب أن تشمل أيضًا تفكيك منظومة التلقين، وإعادة التعليم إلى وظيفته الطبيعية، وحماية الأطفال من الاستغلال السياسي والعسكري، وفتح المجال أمام جيل يملك حق التفكير والاختيار بدل أن يُدفع إلى الحرب باعتباره وقودًا لها.