أكلة لحوم الميزانية .. أزمة أخلاقية تضع الرفاهية الرسمية في قفص الاتهام
طال ليل الواقع المعاش وأسدل أستاره الثقيلة على تفاصيل حياة يومية باتت تشبه كابوسًا لا ينتهي، ليجد المواطن البسيط نفسه محاصرًا بين مطحنة العجز ومعول التجاهل الرسمي المطبق.
اثنا عشر عامًا من الوجع الممتد والتردي المستمر في الخدمات الأساسية ولقمة العيش، وكأن الزمن قد توقف عند عتبة المعاناة ليختبر أقصى طاقات الاحتمال البشري في الصبر على الضيم. وسط هذا الخراب المترامي الأطراف، تقف النخب الحاكمة والقيادات المتخمة بمعزل تام عن أوجاع الشارع، كأنما تنتمي إلى كوكب آخر يحلق فوق سحب البؤس والفقر المدقع. إنها ليست مجرد أزمة اقتصادية طارئة أو تعثر إداري عابر يمكن تجاوزه بقرارات ترقيعية، بل هي انهيار قيمي وأخلاقي غير مسبوق في تاريخ الحكم المعاصر، حيث سقطت كل شعارات المسؤولية والضمير الحي في اختبار الواقع. حين تنعم طبقة الحكام والوزراء والنواب وقادة الصف الأول بحياة البذخ والرفاهية المطلقة، وتتحول موازنات الدولة إلى بحيرات لتغذية أرصدتهم وامتيازاتهم، بينما يُترك الملايين يصارعون الموت وجعًا وجوعًا تحت خط الفقر، فإننا نكون أمام اختلال فادح في معايير العدالة الإنسانية والدينية والأخلاقية. العدالة الحقّة في وجدان الشعوب المقهورة لا تقبل القسمة على اثنين؛ فإما أن يرتفع الجميع إلى مستوى العيش الكريم، أو تتساوى الرؤوس في قاع الفقر المدقع ليتجرع المسؤولون من نفس الكأس المرة التي يجرعونها لشعبهم كل صباح، وليعرفوا بأم أعينهم ماذا يعني أن تنام بطون الأطفال خاوية على عروشها.
نحن ننتظر المعجزة والمسؤول يفتش عن منتجعات الخارج
أحمد يحيى، مواطن مقهور، يقول: "لسنا طلاب دنيا ولا نبحث عن المستحيل، بل نريد فقط ما يسد رمق أطفالنا ويحفظ لنا كرامتنا الإنسانية المهدرة في طوابير الانتظار الطويلة. المسؤول عندنا يظهر على الشاشات يحدثنا عن الصبر والتضحية، وهو لا يعرف كم سعر كيس الدقيق ولا كيف تضيء عتمة البيت بشمعة واحدة. لقد وصل بنا الحال إلى مرحلة تبلدت فيها الأحاسيس، ولم يعد يفاجئنا هذا التفاوت الصارخ بين رفاهية القصور وقسوة الأرصفة. إذا كانت القيادة الحالية عاجزة عن توفير أبسط مقومات الحياة بعد سنوات طويلة، فلترحل بسلام وتترك الشعب يبحث عن مصيره بنفسه، بدلًا من إطالة أمد عذاباتنا لأجل مصالحهم الشخصية."
التعليم انهار والرواتب أثقلتها الديون والطبقة الحاكمة تعيش في برج عاجي
محمد النظاري، تربوي محبط، قال: "حين تجد الأستاذ الذي يربي الأجيال يقف أمام المخبز يستجدي رغيف الخبز أو يبيع كتبه ليطعم أسرته، فاعلم أن الدولة قد أعلنت إفلاسها الأخلاقي والوطني بامتياز.
كنا نعتقد أن الكفاءة والنزاهة هما معيار الوصول لصنع القرار، فإذا بنا نرى الفاسد يتمدد والمسؤول يزداد سمنة وشحمًا، بينما يذوب المعلمون والكوادر الوطنية قهرًا وكمَدًا.
الفجوة اليوم ليست مالية فحسب، بل هي هوة سحيقة بين عالمين؛ عالم نعيش فيه نحن تحت خط الإنسانية، وعالم يعيشون فيه هم بلا حدود ولا قيود من الضمير أو القانون. لا يمكن لأي مجتمع أن ينهض على أنقاض كرامة مواطنيه المهشمة، ولن يغفر التاريخ لمن تحولوا إلى تجار أزمات على حساب آلام الناس."
الضرائب تأكل ما تبقى من عظمنا والمسؤولون يتبادلون الأنخاب في الخارج
عبدالرحمن المطري، تاجر صغير، قال: "أغلقت دكاني الصغير بعد ثلاثين سنة من الكد والعمل الشريف، لأن الجباية والجبايات غير القانونية أكلت رأس المال، بينما أسمع كل يوم عن صفقات ومخصصات خيالية تصرف لأسماء وهمية في مكاتب السلطة. نحن ندفع الضرائب من دم قلوبنا لتذهب إلى جيوب حاشية لا تشبع ولا تتقي الله في هذا الشعب المبتلى بقيادات عمياء وبصيرة ميتة.
العجيب في الأمر أن هؤلاء المسؤولين لا يستحيون من ظهورهم العلني وهم يستعرضون مظاهر البذخ في الخارج، متجاهلين أن كل درهم ينفقونه في رحلات الاستجمام يقابله طفل يموت جوعًا أو مريض يفارق الحياة عجزًا عن ثمن الدواء. لقد تحولت الدولة إلى مزرعة خاصة يتقاسم غلتها السماسرة، وترك الشعب لقمة سائغة لأنياب الجوع والمرض."
شهاداتنا تحولت إلى أوراق جافة نعلقها على جدران العجز
أحمد خالد، طالب جامعي خريج، قال: "تخرجت بتفوق قبل خمس سنوات، ومنذ ذلك الحين وأنا أبحث عن فرصة عمل تكفل لي العيش بكرامة، لأكتشف أن الوظائف والفرص الحقيقية مخصصة فقط لأبناء الوزراء والنافذين والمحظيين، بغض النظر عن الكفاءة. شعور القهر الذي يغمر الشباب اليوم لا يعادله إلا شعور الخذلان من قيادات شاخت في مواقعها ولا تريد أن تترك الكراسي إلا على أسنة الرمح أو عبر طائرات الإخلاء.
كيف لنا أن ننتمي إلى وطن تُنهب ثرواته جهارًا نهارًا ويُحتفل بميزانيات الفارغين، بينما يهاجر شبابنا قسرًا في قوارب الموت بحثًا عن أفق إنساني؟ إنها جريمة منظمة تمارس بحق الجيل الصاعد لقتل الأمل في روحه ودفعه نحو الانكسار التام."
عمر ضاع في خدمة الدولة والنهاية تسول على باب البنك
الأستاذ أحمد عبدالله، موظف متقاعد، قال: "أفنيت زهرة عمري في أروقة الإدارات الحكومية مخلصًا وأمينًا، لأجد نفسي اليوم في خريف العمر أقف في طوابير طويلة منذ الفجر لنيل معاش تآكل حتى صار أشبه بالعدم أمام أسعار لا ترحم. المسؤولون الذين يتشدقون اليوم بالإنجازات التاريخية هم أنفسهم من أكلوا حقوقنا وحولوا أموال التقاعد إلى استثمارات خاصة في الخارج تحميهم من غضبة الحليم. والله لو تساوى الجميع في الجوع لكان أهون علينا ألف مرة من رؤية هذه الطبقة الفاسدة ترفل في النعيم الفاحش على أشلاء متقاعدين أفنوا أجسادهم في خدمة الوطن. لا عدالة تبنى على جثث الضعفاء، ولا وطن يرجى خيره من عصابة تسطو حتى على لقمة العيش المرتبطة بأعمارنا المتبقية."
الختام:
عاشت البلاد عصرًا ذهبيًا فريدًا من نوعه في تاريخ فنون الهروب الكبير والإدارة بالريموت كنترول، حيث تحول المسؤولون إلى خبراء عالميين في فنون السفر الفاخر وتناول الوجبات العضوية المستوردة على وقع أنين الأمعاء الخاوية للمواطنين.
يبدو أن حكوماتنا الرشيدة قد توصلت أخيرًا إلى المعادلة الفيزيائية الفذة التي تثبت أن الجوع يزيد من كفاءة المواطن على الصبر والتحمل، وأن بقاء الشعب في حالة تقشف أزلي هو السر الإلهي الكامن وراء دوام نعمة المناصب على السادة الوزراء وأصحاب السعادة والنواب. فما أجمل أن تسترخي في جناح فخم بإحدى عواصم الخارج، بينما يتولى هواة الصبر الوطني من الشعب تنظيم بطولات دولية في العيش بلا كهرباء، وتوفير الهواء بالمجان عبر استنشاق الأدخنة والأزمات.
إنها حقًا ديمقراطية الرفاه المطلق للطبقة الحاكمة، وديمقراطية التقشف التام للشعب المسكين؛ معادلة متوازنة تمامًا لو نظرنا إليها من منظور بطون المسؤولين الممتلئة جيدًا، فكلما زاد صراخ الجياع، ازدادت حكمة الخطابات الرنانة عن التضحية والبطولة والصمود الأسطوري المظفر فوق سحب البنوك الأجنبية الفسيحة.