دمياط وباب المندب .. الخنق المزدوج
حينما استُهدفت سفن الغاز المسال قرب ميناء دمياط المصري، من دون إعلان الجهة التي تقف وراء الاستهداف، بدا الأمر في حينه وكأنه حادث أمني منفصل وغامض، لكن تتابع التطورات الإقليمية اللاحقة يطرح سؤالاً أكثر أهمية: هل نحن أمام حوادث متفرقة، أم ان الأمر هو نمط متصاعد من الضغط على الممرات الاستراتيجية وطرق الطاقة؟
السؤال يكتسب أهمية أكبر مع اتساع نطاق المواجهة من الخليج العربي إلى البحر الأحمر، وتزامن الضغوط على مضيق هرمز وخط الأنابيب شرق–غرب و ميناء ينبع مع التطورات العسكرية على الساحل الغربي اليمني.
وهنا تبرز فرضية تستحق البحث: أن إيران تسعى، بصورة مباشرة أو عبر حلفائها، إلى الضغط على منظومة الطاقة السعودية من الشرق والجنوب، وتعطيل البدائل التي أنشأتها الرياض لتقليل اعتمادها على مضيق هرمز.
ماذا حدث فعلاً؟
شهد الساحل الغربي اليمني تطورات ميدانية متسارعة، شملت سيطرة الحوثيين على المخا والتقدم باتجاه باب المندب، إلى جانب امتداد نفوذهم إلى جزر استراتيجية في جنوب البحر الأحمر، بينها ميون وزقر وحنيش.
أهمية هذه المواقع لا تكمن في السيطرة على أراضٍ يمنية فحسب، وإنما في موقعها الجغرافي القريب من أحد أهم الممرات البحرية التي تربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي، وبالتالي فإن أي قوة تملك قدرة عسكرية على تهديد الملاحة في هذه المنطقة تستطيع التأثير في حركة التجارة والطاقة العالمية.
وفي الاتجاه الآخر، تعرضت منظومة الطاقة السعودية لضغوط متزامنة، بما في ذلك خط الأنابيب شرق–غرب و المنشآت المرتبطة بتصدير النفط من ميناء ينبع على البحرالأحمر، في وقت ظل فيه مضيق هرمز نقطة الاختناق الأساسية أمام صادرات النفط الخليجية.
وهنا لا يعود السؤال متعلقاً بحدث منفرد، وإنما بالعلاقة بين هذه الجبهات المختلفة.
من هرمز إلى باب المندب
تدرك السعودية منذ سنوات أن اعتمادها على مضيق هرمز يمثل نقطة ضعف استراتيجية، ولذلك طورت خط الأنابيب الشرقي–الغربي الذي ينقل النفط من المنطقة الشرقية إلى ساحل البحر الأحمر، وصولاً إلى ميناء ينبع الاستراتيجي ومنه الى المحيط الهندي عبر مضيق باب المندب او باتجاه مصر في سيدي كرير او عبر قناة السويس.
وتبلغ الطاقة الاسمية للخط نحو خمسة ملايين برميل يومياً، مع إمكانية رفعها مؤقتاً إلى مستويات أعلى في ظروف معينة تصل إلى سبعة مليون برميل نفط يوميًا، وتكمن أهميته الاستراتيجية في أنه يوفر للسعودية طريقاً لتصدير جزء كبير من نفطها بعيداً عن الاختناق الحاصل منذ شهور في مضيق هرمز.
لكن هذا البديل لا يعمل في فراغ جغرافي.
فالنفط الذي يصل إلى الساحل الغربي يحتاج، بالنسبة إلى كثير من وجهاته الآسيوية، إلى المرور عبر البحر الأحمر وباب المندب. ومن هنا تظهر أهمية استهداف الحلقة التي تصل بين النفط السعودي وخط شرق–الغرب وميناء ينبع وباب المندب.
وهذه هي جوهر معادلة الخنق المزدوج: الضغط على مسار التصدير من الشرق، والضغط على المسار البحري من الجنوب.
فإذا تعرض خط شرق–غرب للتعطيل، تراجعت قدرة السعودية على الاستفادة من البديل الذي أنشأته لتجاوز هرمز. وإذا أصبح باب المندب غير آمن، ارتفعت كلفة استخدام المسار الغربي، حتى إذا ظل النفط قادراً على الوصول إلى ينبع.
وبذلك لا يعني الأمر بالضرورة إغلاق الصادرات السعودية بالكامل، وإنما إضعاف مرونة منظومة التصدير ورفع كلفة تأمينها وتعقيد قدرة الرياض على المناورة بين مساراتها المختلفة.
أين يظهر الدور الإيراني؟
هناك أدلة علنية كافية تسمح بالجزم بأن كل عملية استهداف في المنطقة تصدر عن غرفة عمليات إيرانية واحدة، رغم أن إيران ضلت دائما تنفي التوجيه المباشر للحوثيين او غيرهم لكن الدلائل والوقائع كثيرة جدا بحيث لا يمكن تجاهلها.
فوجود الدعم إلايراني العسكري واللوجستي والتقني للحوثيين مؤكد ومثبت بقرائن وادلة كثيرة، إلى جانب ان العلاقات المترابطة والمعروفة بين طهران والمليش المسلحة المتحالفة معها في المنطقة بداء من العراق ولبنان وصولا الى اليمن، مما يجعل من الصعب تجاهل البعد الإيراني عند تحليل المشهد الإقليمي للأحداث المتلاحقة خلال هذه الفترة الأخيرة.
وهنا يجب التمييز بين أمرين: الدعم والتوجيه الاستراتيجي من جهة، والإدارة العملياتية المباشرة لكل هجوم من جهة أخرى.
فقد تكون هناك أهداف إقليمية مشتركة وإسناد عسكري وتقني، مع احتفاظ القوى المحلية بهامش محدود في تحديد توقيت العمليات وأسلوب تنفيذها للعمليات لكن معركة الساحل الغربي وباب المندب تمت بتخطيط وتنفيذ خبراء الحرس الثوري الإيراني في اليمن.
وهذه الفرضية تبدو أكثر اتساقاً مع طبيعة شبكة القوى الحليفة لإيران، التي تمتد من العراق إلى اليمن، من افتراض أن كل عملية يتم إصدار أمر مباشر بها من مركز واحد.
خط شرق–الغرب: الحلقة الأخطر
يمثل خط شرق–الغرب أكثر من مجرد أنبوب لنقل النفط؛ فهو جزء من استراتيجية سعودية لتقليل مخاطر الاعتماد على هرمز.
ولهذا فإن تعطيله يكتسب أهمية تتجاوز الضرر المباشر الذي يلحق بمنشأة أو محطة ضخ.
فاستهداف الخط يعني محاولة التأثير في البديل السعودي نفسه.
وإذا تزامن ذلك مع تهديد الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب، فإن الضغط لا يعود موجهاً إلى منشأة واحدة، وإنما إلى منظومة مترابطة: الإنتاج في الشرق، والنقل عبر خط شرق–الغرب، والتصدير من ينبع، ثم الملاحة عبر البحر الأحمر وباب المندب.
وهنا تكمن القيمة الاستراتيجية لهذه المعادلة.
من السعودية إلى الاقتصاد العالمي
لا تتوقف تداعيات هذا النوع من التصعيد عند حدود السعودية.
فأي اضطراب واسع في صادرات النفط السعودية يمكن أن ينعكس على أسواق الطاقة العالمية، خصوصاً إذا جاء في الوقت نفسه مع اضطرابات في مضيق هرمز وباب المندب.
لكن من المهم عدم المبالغة في تصوير النتيجة باعتبارها إغلاقاً حتمياً لكل صادرات النفط السعودية؛ فالسعودية تمتلك بدائل ومسارات أخرى، كما أن الأسواق قادرة على إعادة توزيع جزء من التدفقات النفطية.
غير أن المشكلة الأساسية تكمن في أن كلما تعرضت البدائل المتاحة للتهديد في الوقت نفسه، ارتفعت كلفة النقل والتأمين والمخاطر الجيوسياسية، وأصبح استقرار سوق الطاقة أكثر هشاشة.
وهذا بالضبط ما يجعل الممرات البحرية وخطوط الأنابيب جزءاً من الصراع الجيوسياسي، وليس مجرد بنية تحتية اقتصادية.
ثلاث فرضيات أمام المشهد
يمكن قراءة التطورات الحالية من خلال ثلاث فرضيات رئيسية.
الأولى، وجود تنسيق إيراني مركزي يربط بين ساحات هرمز وباب المندب وخط شرق–الغرب وينبع، بهدف ممارسة ضغط متكامل على السعودية والاقتصاد العالمي.
الثانية، أن تكون العمليات ناتجة عن تحركات مستقلة لقوى مختلفة، لكل منها حساباتها المحلية، لكنها تستفيد من حالة التصعيد الإقليمي، فيبدو المشهد أكثر تنسيقاً مما هو عليه في الواقع.
أما الثالثة، وهي فرضية تجمع بين الاثنين، فتتمثل في وجود دعم وتنسيق إيراني استراتيجي مع احتفاظ القوى الحليفة بهامش من الاستقلالية العملياتية.
وتبدو هذه الفرضية الأخيرة جديرة باهتمام أكبر؛ لأنها لا تفترض سيطرة إيرانية مباشرة على كل قرار ميداني، ولا تتجاهل في الوقت نفسه حجم الدعم الإيراني وشبكة التحالفات الممتدة في المنطقة.
المعادلة الجديدة
ما بين دمياط وخط شرق–غرب وصولا الى ميناء ينبع على البحر الأحمر وباتجاه مضيق باب المندب، تتكشف تدريجياً طبيعة جديدة للصراع: لم تعد المعركة تدور حول السيطرة على الأرض وحدها، وإنما حول القدرة على التحكم في الممرات التي تنقل الطاقة والتجارة من مناطق الإنتاج إلى الأسواق العالمية.
وفي هذا السياق، يصبح الساحل الغربي اليمني أكثر من جبهة عسكرية داخلية، فموقع المخا وذو باب وحيس والخوخة وباب المندب، إلى جانب الجزر الاستراتيجية مثل ميون وزقر وحنيش، يمنح التطورات في اليمن بعداً إقليمياً ودولياً يتجاوز حدود الصراع اليمني.
كما أن استهداف أو تعطيل خط شرق–الغرب لا يمكن فصله عن أهمية ينبع باعتبارها إحدى حلقات البديل السعودي عن هرمز.
وبذلك يمكن فهم ما يجري باعتباره صراعاً على مرونة منظومة الطاقة السعودية: هل تستطيع الرياض إبقاء أكثر من منفذ ومسار مفتوحاً في وقت واحد، أم يمكن للقوى المعادية لها أن تضغط على هذه المسارات بصورة متزامنة؟
هذه هي المعادلة الأهم.
فإذا كان هرمز يمثل نقطة الضغط الإيرانية المباشرة، فإن باب المندب يمثل نقطة الضغط غير المباشرة عبر الحوثيين، بينما يمثل خط شرق–الغرب محاولة سعودية لكسر هذه المعادلة. ومن هنا فإن الصراع الحقيقي لا يدور فقط حول الموانئ والأنابيب والمضائق، بل حول من يملك القدرة على فتح طرق الطاقة أو تعطيلها ورفع كلفة استخدامها،
وإذا استمر تزامن الضغوط على هذه الحلقات، فإن تداعياتها لن تقتصر على السعودية أو اليمن، وإنما ستصل إلى أمن البحر الأحمر والخليج العربي واستقرار أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية، وهنا تحديداً تتغير المعادلة: من صراع على الجغرافيا إلى صراع على الممرات، ومن استهداف الجبهات إلى استهداف شرايين الطاقة والتجارة.
*أكاديمي ومحلل سياسي يمني