جمهورية الأرصفة الباكية
في اليمن، لم يعد الرصيف مجرد مساحة تفصل الطريق عن البيوت. صار وطنًا مؤقتًا. صار مقعدًا لمن فقد منزله، ومأوى لمن هرب من الموت، ومحطة لمن لم يعرف إلى أين يذهب. على الأرصفة، تتكدس الحقائب الصغيرة، وتنام الأجساد المتعبة، وتجلس النساء إلى جوار أطفالهن كأنهن يحاولن بأذرعهن وحدها أن يصنعن جدارًا يحميهم من بلد لم يعد آمنًا. هنا ولدت جمهورية لا يعترف بها أحد. لا رئيس لها، ولا حكومة، ولا دستور، ولا جيش. لكن لها ملايين المواطنين. مواطنوها نازحون، وأرامل، وأطفال فقدوا آباءهم، وآباء دفنوا أبناءهم، وشيوخ يحملون مفاتيح بيوت لم تعد موجودة، وشباب أضاعوا أعمارهم بين الجبهات والحواجز ونقاط التفتيش. إنها جمهورية الأرصفة الباكية. إنها اليمن الذي بقي خارج غرف السياسة.
كان سالم واحدًا من أولئك الذين لم يختاروا الرصيف. الرصيف اختاره لهم. خرج من قريته ذات صباح، يحمل حقيبة صغيرة وثلاث صور عائلية ومفتاح بيته. قال له أبوه قبل الرحيل: "احتفظ بالمفتاح. الحرب ستنتهي." كان الأب يعتقد أن الحرب عاصفة وستمر. لم يكن يعرف أن الحروب الطويلة لا تهدم البيوت فقط؛ إنها تهدم فكرة العودة نفسها. مرت السنوات. تغيرت الجبهات. تغيرت التحالفات. تغيرت أسماء الذين يتحدثون باسم الوطن. لكن المفتاح ظل في جيب سالم. لم تكن الحرب اليمنية حربًا داخلية خالصة. فمنذ أن تحول الصراع إلى حرب مفتوحة، دخلت إليه الحسابات الإقليمية والدولية بقوة، وتحول اليمن إلى ساحة تتقاطع فيها المصالح والنفوذ والأمن الإقليمي. كان هناك الحوثيون في الداخل، وكانت إيران حاضرة في المشهد من خلال ما تصفه تقارير ودراسات دولية بالدعم العسكري والسياسي المتزايد للحوثيين. وفي الجانب الآخر، دخلت دول إقليمية بثقلها العسكري والسياسي. السعودية. الإمارات. قطر. عُمان. لكل دولة حساباتها، وأدواتها، ومراحل مختلفة من الحضور والتأثير. وهكذا لم يعد اليمن وحده من يقرر شكل الحرب. أصبحت هناك عواصم أخرى تنظر إلى اليمن من خرائطها الخاصة. خرائط الأمن. خرائط الحدود. خرائط النفوذ. خرائط الموانئ والبحار. وخرائط الصراع الإقليمي. أما اليمني، فكان ينظر إلى خريطة واحدة فقط: خريطة البيت الذي يريد العودة إليه. في غرف القرار، كانت المصالح تتقاطع. وفي الميدان، كانت البنادق تتقاطع. أما في الشارع، فكان الدم وحده واضحًا. لا يحتاج الدم إلى مترجم. ولا يحتاج القتيل إلى تعريف سياسي. حين تسقط القذيفة، لا تسأل من أي حزب كان الأب. وحين تنفجر السيارة، لا تسأل عن المذهب. وحين ينهار المنزل، لا تهتم الجدران بمن كان يؤيد ومن كان يعارض. كان المواطن هو الطرف الوحيد الذي لم يكن لديه جيش يدافع عنه. ولهذا كان جسده هو أول فاتورة للحرب. في اليمن، لم تعد الضحية دائمًا جنديًا. قد تكون طفلة نائمة. امرأة في طريقها إلى السوق. مزارعًا في حقله. طالبًا في طريقه إلى المدرسة. مسافرًا على طريق طويل. أو أسرة بأكملها كانت تعتقد أن الجدران تحميها. لكن الحرب علمت اليمنيين أن الجدران لا تحمي أحدًا عندما تنهار الدولة، وتتعدد البنادق، وتصبح المدن خرائط للصراع. ومن مات، صار رقمًا. ومن نجا، صار نازحًا. ومن بقي في بيته، عاش ينتظر دوره. كان النزوح الوجه الآخر للقتل. فليس كل من نجا من القذيفة نجا من الحرب. بعضهم نجا بجسده، لكنه فقد منزله. وبعضهم نجا بمنزله، لكنه فقد أبناءه. وبعضهم خسر الاثنين. تشير الأمم المتحدة إلى وجود نحو 4.8 مليون نازح داخليًا في اليمن، وإلى احتياج نحو 19.5 مليون شخص للمساعدة والحماية الإنسانية. لكن الرقم لا يقول شيئًا عن امرأة تضع رأسها ليلًا على حقيبة بدل الوسادة. ولا يقول شيئًا عن طفل يسأل أمه: "متى نرجع؟" فتقول: "قريبًا." وهي تعرف أن كلمة "قريبًا" قد تعني سنوات.
كان سالم يرى النازحين يتكاثرون حوله. كل يوم تأتي عائلة جديدة. امرأة تحمل رضيعًا. رجل يحمل كيسًا من الملابس. طفل يحمل لعبة مكسورة. وعجوز لا يحمل شيئًا سوى ذاكرته. كان الرصيف يزدحم بالذين خرجوا من بيوتهم. لكن السؤال الذي لم يكن أحد يريد طرحه كان: من الذي دفعهم إلى الرصيف؟ لم يكن الجواب بسيطًا. فاليمن لم يُدمره طرف واحد فقط. لقد شاركت في المأساة عوامل كثيرة: انقلاب الحوثيين على مؤسسات الدولة وسيطرتهم على صنعاء، والانقسامات داخل المعسكر المناهض لهم، والتدخلات الإقليمية، والصراع على النفوذ، وفشل النخب السياسية في بناء تسوية وطنية مستقرة. كان كل طرف يملك روايته. وكان المواطن يملك الجثة. الشرعية نفسها لم تستطع أن تقدم نموذج الدولة الذي انتظره اليمنيون. كان من المفترض أن تكون الدولة عنوانًا للسلطة والقانون. لكنها بدت في كثير من المراحل موزعة بين مؤسسات ضعيفة، وقوى عسكرية مختلفة، ومراكز نفوذ متنافسة. حتى المعسكر الذي وقف في مواجهة الحوثيين لم يكن معسكرًا واحدًا. كان بداخله أكثر من مشروع. أكثر من حزب. أكثر من قيادة. وأكثر من حساب. وهكذا أصبح من الممكن أن تتفق القوى اليمنية على عدو مشترك، ثم تختلف فيما بينها على شكل الدولة التي تريدها بعد الحرب. وتحول الخلاف السياسي إلى صراع على الأرض. وتحول الصراع على الأرض إلى نفوذ مسلح. وتحول النفوذ المسلح إلى واقع سياسي. أما الدولة، فكانت تتراجع خطوة أخرى. صحيح في اليمن، كانت الأحزاب تتحدث كثيرًا عن الوطن. لكن الوطن كان غائبًا عن ممارساتها. أحزاب قديمة. قيادات متنافسة. تحالفات مؤقتة. خصومات لا تنتهي. اتفاقات تُوقّع تحت الضغط ثم تُفرغ من مضمونها. كل طرف يريد أن يكون شريكًا في السلطة، لكن قليلين كانوا مستعدين لتحمل كلفة بناء دولة لا تكون ملكًا لأحد. كان السياسي ينظر إلى الانتخابات المقبلة. والقائد العسكري ينظر إلى الجبهة. والحزب ينظر إلى حصته. والزعيم ينظر إلى نفوذه. والداعم الخارجي ينظر إلى مصالحه. أما المواطن، فكان ينظر إلى سعر الخبز. ومع كل هذا، لم يكن الخارج بعيدًا عن المشهد. إيران كانت حاضرة في الحرب عبر علاقتها بالحوثيين وما تصفه تقارير دولية بالدعم العسكري والتقني. والسعودية كانت حاضرة بثقلها العسكري والسياسي. والإمارات بنت نفوذًا واسعًا داخل المشهد اليمني عبر علاقاتها بقوى محلية. وقطر كان لها حضور سياسي وإقليمي في مراحل مختلفة من الأزمة. وعُمان كانت حاضرة لدعم أحد الأطراف. ولم يكن كل هؤلاء يتحركون بالطريقة نفسها. ولم تكن أهدافهم متطابقة. لكن النتيجة التي عاشها اليمني كانت واحدة: بلد تتعدد فيه الأيدي التي تمتد إلى السياسة، بينما تتراجع اليد اليمنية التي يفترض أن تمسك بمصير البلد.
كان سالم يسمع أسماء العواصم في الأخبار. طهران. الرياض. أبوظبي. الدوحة. مسقط. لكنه لم يكن يعرف لماذا أصبحت هذه المدن جزءًا من حياته. لماذا تتغير الأسعار عندما يحدث شيء بعيد؟ لماذا تتغير الجبهات بعد اجتماع في عاصمة أخرى؟ لماذا تصبح الهدنة ممكنة حين تتفق العواصم؟ ولماذا تتعطل حين تختلف؟ لماذا يحتاج اليمني إلى أن تتفق قوى خارج بلده حتى يحصل على فرصة ليعيش يومًا هادئًا؟ كان يطرح الأسئلة. ولا أحد يجيب. في إحدى الليالي، جلس سالم مع رجل من تعز، وامرأة من الحديدة، وشاب من صنعاء، وعائلة جاءت من مأرب. لم يتفقوا على السياسة. أحدهم كان يرى أن الحوثيين هم أصل الكارثة. والثاني كان يرى أن فشل الحكومة والقوى المناهضة لهم ضاعف المأساة. والثالث كان غاضبًا من الأحزاب. والرابع كان يتحدث عن التدخلات الخارجية. والخامس كان يرى أن اليمن أصبح ساحة لصراع أكبر منه. ثم سكتوا. لأن هناك شيئًا واحدًا جمعهم. كلهم فقدوا شيئًا. بيتًا. أخًا. أبًا. ابنًا. عملًا. أرضًا. أو سنوات من العمر. لم يكونوا بحاجة إلى الاتفاق على السياسة. كانت المقابر قد وحدتهم. في الصباح، كان الرصيف يستعيد دوره. أطفال يركضون. نساء ينتظرن المساعدات. رجال يبحثون عن عمل. سيارات تمر مسرعة. ومواطنون يحدقون في هواتفهم بحثًا عن خبر جديد. كل خبر كان يحمل احتمالين: أن تنتهي الحرب. أو أن تبدأ جولة جديدة منها. وفي مكان آخر، كان السياسيون يتحدثون. والعواصم تتشاور. والأحزاب تتفاوض. والقادة يعيدون ترتيب مواقعهم. والمليشيات تعيد حساباتها. والحدود تراقب. والبحر الأحمر ينتظر. والدم اليمني يستمر في النزيف.
لذلك لم يعد السؤال في جمهورية الأرصفة: من انتصر؟ فحتى الذين يعلنون انتصاراتهم يخرجون من الحرب ببلد أكثر انقسامًا. السؤال الحقيقي كان: من دفع الثمن؟ والجواب كان واضحًا. دفعه الطفل الذي لم يعرف أباه. دفعته الأم التي أصبحت أرملة. دفعه النازح الذي فقد عنوانه. دفعه الجندي الذي عاد بلا ساق. دفعه المزارع الذي ترك أرضه. دفعه الموظف الذي فقد راتبه. دفعه الطالب الذي صار عمره أكبر من مدرسته. ودفعه اليمن كله.
وفي آخر الليل، عاد سالم إلى مكانه على الرصيف. أخرج المفتاح من جيبه. ظل ينظر إليه طويلًا. لم يكن يعرف إن كان الباب الذي يخصه ما زال قائمًا. ربما تهدم البيت. ربما تغيرت القرية. ربما مات الذين كانوا ينتظرونه. وربما أصبح المفتاح نفسه قطعة من الماضي لا تفتح شيئًا. لكنه لم يرمِه. وضعه بجواره. ثم تمدد على الإسمنت. حوله كانت عائلات أخرى تنام. بعض الأطفال كانوا يبكون. امرأة كانت تحاول إسكات رضيعها. رجل كان يتحدث في الهاتف عن قريب قُتل في الجبهة. وفي مكان بعيد، كانت نشرات الأخبار تتحدث عن اجتماع جديد، ومفاوضات جديدة، وتحالفات جديدة، ومواقف جديدة. أغلق سالم عينيه. لم يعد يريد أن يعرف من ربح الجولة. ولا من خسرها. ففي جمهورية الأرصفة، لا أحد يربح حين يصبح الوطن مقبرة كبيرة. وفي آخر الليل، ظل الرصيف باردًا. وظلت المدينة مستيقظة. وظل الدم في ذاكرة الذين بقوا. وظل المفتاح بجوار سالم، ينتظر بابًا لم يعد يعرف إن كان موجودًا.