من المخا إلى ميدي وتعز: هل يتم تدارك الموقف العسكري؟
لم تعد التطورات العسكرية المتسارعة في اليمن مجرد سلسلة من التحولات الميدانية المنفصلة، بل أصبحت تكشف عن أزمة أعمق تتعلق بطبيعة إدارة الحرب نفسها، وبمدى قدرة القوات المناهضة للحوثيين على العمل باعتبارها مؤسسة عسكرية وطنية واحدة، لا مجموعة تشكيلات لكل منها بنيتها ومرجعيتها وحساباتها العملياتية، وقد كشفت التطورات الأخيرة في الساحل الغربي، وسقوط المخا ومناطق واسعة باتجاه مضيق باب المندب وجزيرة ميون و زقر وحنيش، ثم امتداد الضغط إلى محاور غرب تعز، أن المشكلة لا تتعلق فقط بموازين القوة أو كمية السلاح والرجال، وإنما بمنظومة القيادة والسيطرة، وبقدرة هذه القوات على تحويل ما تمتلكه من إمكانات إلى قوة عملياتية متماسكة.
حيث أكدت تقارير ميدانية خلال سبتمبر 2026م اتساع نطاق المواجهات في مديريات لحج و تعز، فيما تحدثت مصادر حكومية وإعلامية عن محاولات مليشيات الحوثي من قطع طريق الضباب-التربة أو طريق هيجة العبد-عدن وغيرها.
وفي هذا السياق تكتسب القراءة التي قدمها د.محمد جميح في مقاله «جذور التراجع في الساحل الغربي لليمن» أهمية خاصة، لأنها تعيد جذور الأزمة إلى مرحلة انهيار مؤسسات الدولة بعد سقوط صنعاء عام 2014، وما ترتب على ذلك من نشوء تشكيلات عسكرية ومقاومات محلية متعددة عام 2015م، وقد كان ظهور تلك التشكيلات مفهوماً ومقبولا في ظروف انهيار الجيش وسيطرة المليشيات الحوثية الانقلابية على مؤسسات الدولة والجيش و سلاح الدولة، لكن المشكلة ـ كما يوضح د.جميح ـ أن تلك التشكيلات لم تتحول لاحقاً بصورة كاملة إلى مؤسسة عسكرية موحدة تحت قيادة واحدة، رغم مرور أكثر من عقد على نشأتها.
ظروف 2015 ليست ظروف 2026
ما كان مقبولاً باعتباره حلاً اضطرارياً في عام 2015 لم يعد بالضرورة صالحاً لإدارة حرب الدولة في عام 2026م.
ففي لحظة انهيار الجيش، كان من الطبيعي أن تتشكل مقاومات في مأرب وتعز وعدن والضالع والساحل وتهامة وغيرها، وأن تتبلور تشكيلات عسكرية وفقاً للجغرافيا والقدرة المحلية على مواجهة الحوثيين، وقد أدت هذه التشكيلات دوراً مهماً في منع سقوط مناطق واسعة بيد المليشيات الحوثية، لكن استمرار البنية نفسها بعد أكثر من عشر سنوات يعني أن الاستثناء المؤقت أصبح في بعض جوانبه بنية دائمة، وهنا تكمن المشكلة.
فالجيش الوطني لا يمكن أن يقوم على مجرد جمع تشكيلات متعددة تحت مظلة وزارة الدفاع، إذا بقيت لكل تشكيل قيادته الفعلية واتصالاته الخاصة وحساباته العملياتية ومخزونه البشري والعسكري ومجاله الجغرافي المنفصل.
المطلوب ليس تغيير أسماء الوحدات أو إصدار قرارات إدارية بإعادة هيكلتها، وإنما الانتقال من حالة التعايش بين تشكيلات متعددة إلى مؤسسة عسكرية حقيقية يكون فيها القرار العملياتي واحداً، والأوامر ملزمة، وسلسلة القيادة واضحة، والاتصالات والاستخبارات والإمداد والتحرك وإدارة الاحتياط جزءاً من منظومة واحدة.
من أزمة التشكيلات إلى أزمة القيادة والسيطرة
تكمن إحدى أهم خلاصات تجربة الساحل الغربي في أن امتلاك السلاح لا يعني بالضرورة امتلاك القدرة على استخدامه في اللحظة المناسبة.
فقد تكون الأسلحة موجودة في المخازن، وقد يكون المقاتلون موجودين على خطوط التماس، لكن إذا غابت القيادة الموحدة، وتعطلت الاتصالات، ولم تتوافر صورة استخباراتية مشتركة، ولم تكن هناك قدرة على تحريك الاحتياط وتوزيع الإسناد وإعادة الانتشار، فإن الكتلة البشرية والتسليحية تتحول إلى وحدات منفصلة لا تعمل كقوة واحدة.
وهذا تحديداً ما ركز عليه جميح في تفسيره للتراجع في الساحل الغربي، حيث يرى أن وجود غرفة عمليات مشتركة لم يكن كافياً في ظل استمرار إرث الانقسامات والعمل المنفرد، وأن المشكلة الأساسية ارتبطت بضعف التنسيق والقيادة والسيطرة أكثر من ارتباطها بمجرد نقص السلاح أو المقاتلين.
وهنا ينبغي التمييز بين «غرفة عمليات مشتركة» و«قيادة عسكرية موحدة».
غرفة العمليات يمكن أن تنسق المعلومات، لكنها لا تصبح قيادة حقيقية إلا إذا كانت قادرة على إصدار أوامر ملزمة، وتحريك الاحتياط، وتحديد الأولويات، وتوزيع النيران والإسناد، وتنظيم خطوط الإمداد، وإدارة الانسحاب وإعادة الانتشار، ومنع أي تشكيل من اتخاذ قرار منفرد يمكن أن ينعكس على بقية الجبهات.
وهذه ليست مسألة فنية هامشية، بل جوهر القدرة العسكرية على خوض حرب طويلة ومتعددة الجبهات.
المخا ليست نهاية المعركة
سقوط المخا، وفق ما أعلنته مصادر حكومية وتقارير إعلامية خلال سبتمبر، لا ينبغي التعامل معه باعتباره حادثة جغرافية منفصلة عن بقية المشهد، فالمخا تمثل عقدة تجمع بين الساحل والطرق البرية والامتداد نحو باب المندب وغرب تعز، ولذلك فإن ما يحدث فيها يرتبط مباشرة بما يجري في الكدحة ومقبنة وجبل حبشي والوازعية وموزع وغيرها من المحاور، وقد أشارت تقارير ميدانية إلى أن القتال في غرب تعز يتصل فعلياً بالحزام الغربي للمحافظة وبخط المخا.
ولهذا فإن استعادة المبادرة في الساحل لا تعني بالضرورة تنفيذ هجوم واحد واسع على جبهة مفتوحة، وإنما إعادة بناء القدرة على المناورة العملياتية وربط المحاور ببعضها ومنع تحويل التراجع في قطاع إلى سلسلة من الانهيارات المتتابعة.
فالساحل الغربي ليس مجرد شريط جغرافي محاذٍ للبحر الأحمر، وإنما مساحة استراتيجية تربط المحافظات اليمنية بالممر البحري وبالموانئ والجزر والمناطق القريبة من مضيق باب المندب.
وفي المقابل، فإن فقدان الساحل يفتح للحوثيين مجالاً أوسع للمناورة على امتداد البحر الأحمر، ويضع باب المندب والجزر الاستراتيجية في قلب المعادلة العسكرية والأمنية الإقليمية.
ميدي وحرض: رأس الجسر الشمالي الذي لا يجوز نسيانه
وفي الوقت الذي استحوذت فيه معارك الساحل الجنوبي على الاهتمام، تبرز أهمية الجبهة الشمالية الغربية، ولا سيما ميدي وحرض، باعتبارها منطقة لا ينبغي فصلها عن الصورة الكاملة للحرب.
ميدي ليست مجرد جيب جغرافي بعيد عن مركز العمليات، بل تقع على ساحل البحر الأحمر بالقرب من الحدود السعودية، وتتصل جغرافياً بمحافظة حجة وبالعمق الذي تسيطر عليه جماعة الحوثي في محافظة صعدة معقل المليشيات الحوثية التي انطلقت منها وقاتلت الدولة اليمنية في ست حروب متتالية.
ولهذا فإن بقاء القوات المناهضة للحوثيين في ميدي وحرض، وقدرتها على الصمود والحفاظ على خطوطها، يحمل أهمية تتجاوز مساحة المنطقة نفسها، لأنها تمثل رأس جسر شمالياً يمكن أن يربط البعد الساحلي بالبعد الحدودي والبري.
ومن هنا تأتي أهمية التحذير من التعامل مع ميدي باعتبارها جبهة هامشية، فإذا كان الحوثيون قد تمكنوا من تحقيق اختراقات واسعة على الساحل الجنوبي، فإن أي محاولة لفتح ضغط جديد باتجاه ميدي أو حرض ينبغي أن تُقرأ ضمن استراتيجية أوسع تستهدف إعادة ترتيب الجغرافيا العسكرية في شمال غرب اليمن.
ولا يعني ذلك افتراض أن هجوماً محدداً سيقع حتماً، وإنما يعني أن التخطيط العسكري ينبغي أن يأخذ في الاعتبار جميع الاحتمالات، وألا يسمح بأن تتحول جبهة ميدي وحرض إلى منطقة معزولة عن بقية منظومة الدفاع.
تعز: جبهة متعددة المحاور
أما تعز، فلا يمكن اختزال معركتها في حدود المدينة وحدها.
فالمشهد العسكري في المحافظة يمتد عبر مجموعة من المحاور المتداخلة، من حيفان والمقاطرة والشمايتين، إلى مقبنة والكدحة وجبل حبشي والوازعية وموزع والبرح، وصولاً إلى الساحل.
وقد أظهرت التطورات الأخيرة أن هذه الجبهات ليست منفصلة عملياتياً، إذ ترتبط التحركات في غرب تعز بالطرق المؤدية إلى المخا، بينما تمثل مناطق مثل جبل حبشي والكدحة حلقات مهمة في الحزام الغربي للمحافظة.
ولهذا فإن الدفاع عن تعز لا ينبغي أن يكون مجرد دفاع عن مركز المدينة، بل دفاعاً عن شبكة الجغرافيا العسكرية المحيطة بها.
وإذا لم تتوقف الضغوط الحوثية على محاور حيفان والمقاطرة والشمايتين وغيرها، وإذا استمر الضغط على غرب تعز، فإن الخطر لا يتعلق بموقع واحد، وإنما بإمكانية إعادة تشكيل خطوط التماس بما يربط الضغط على تعز بالضغط على الساحل.
ومن هنا تصبح المعركة في تعز جزءاً من معركة أوسع على الجغرافيا التي تصل الداخل بالساحل.
من الدفاع إلى استعادة المبادرة
إذا لم يتم احتواء التقدم الحوثي على الساحل، وإذا بقيت المخا وباب المندب والجزر الاستراتيجية خارج سيطرة القوات الحكومية، وإذا استمر الضغط على جبهات تعز، ولم تتم حماية ميدي وحرض وبقية المناطق المحررة في الشمال والغرب، فإن استمرار الاكتفاء بالدفاع قد لا يكون كافياً لتغيير المعادلة الميدانية.
لكن الانتقال من الدفاع إلى الهجوم لا يعني فتح جميع الجبهات في وقت واحد، ولا يعني الدخول في عمليات عسكرية غير محسوبة.
الانتقال الحقيقي إلى المبادرة يبدأ أولاً بتوحيد القيادة، ثم إعادة تنظيم القوات، وتحديد مركز الثقل العملياتي، وتوفير الاحتياط والإسناد، واستعادة القدرة على المناورة، وبعد ذلك استعادة المناطق بصورة مرحلية وتثبيت المكاسب قبل الانتقال إلى المرحلة التالية.
وبمعنى آخر، فإن استعادة المبادرة ليست قراراً إعلامياً، وإنما نتيجة مباشرة لبناء قدرة عسكرية موحدة تستطيع أن تختار مكان وزمان وطريقة الاشتباك، بدلاً من انتظار تحركات الخصم ثم الرد عليها بصورة منفصلة من جبهة إلى أخرى.
وفي هذا السياق، فإن استعادة المناطق التي فقدتها القوات الحكومية، بما فيها أجزاء من الساحل الغربي والمواقع المتصلة بباب المندب، تصبح جزءاً من مسار عسكري وسياسي أوسع، هدفه إعادة بناء الدولة وليس مجرد استعادة مواقع جغرافية.
باب المندب والجزر الاستراتيجية
تكمن خطورة التطورات الأخيرة في أن القتال لم يعد محصوراً في مدن ومرتفعات داخلية، بل امتد إلى منطقة ترتبط مباشرة بأحد أهم الممرات البحرية الدولية.
وقد تحدثت تقارير في سبتمبر عن سيطرة الحوثيين على مناطق باب المندب، وعن سقوط جزيرة ميون وجزر أخرى في محيط المضيق، بعد سيطرتهم على المخا ومناطق من الساحل الغربي.
وبصرف النظر عن التفاصيل الميدانية التي يمكن أن تتغير سريعاً، فإن المعنى الاستراتيجي ثابت: أي تحول عسكري كبير في باب المندب لا يبقى شأناً يمنياً داخلياً، لأنه يمس أمن الملاحة الدولية وحركة التجارة والطاقة في البحر الأحمر.
ومن ثم فإن استعادة السيطرة الحكومية على الساحل والجزر والمواقع القريبة من المضيق لا تتعلق فقط بإعادة رسم خطوط القتال، وإنما بإعادة تثبيت السيادة اليمنية على المجال البحري الاستراتيجي.
من تنسيق التشكيلات إلى دمج القوات
هنا تعود القضية إلى أصلها: توحيد القوات.
فالهدف لا ينبغي أن يكون مجرد إنشاء غرفة عمليات تجمع ممثلين عن تشكيلات مختلفة، بينما تبقى كل قوة محتفظة بهويتها العملياتية وقيادتها الفعلية.
المطلوب هو دمج حقيقي داخل وزارة الدفاع، يبدأ بسلسلة قيادة واحدة، وينتهي بعقيدة عسكرية وطنية واحدة.
ويشمل ذلك توحيد أنظمة الاتصالات والاستخبارات والإمداد والتدريب، وتوحيد قواعد الحركة والانتشار، وإنشاء احتياط مركزي، وإعادة توزيع الوحدات وفقاً للاحتياجات العسكرية وليس وفقاً للانتماءات الجغرافية.
والأهم من ذلك أن عملية الدمج ينبغي ألا تقتصر على تغيير أسماء الألوية أو نقلها إدارياً من إطار إلى آخر، بينما تبقى بنيتها الداخلية كما هي.
إن بناء جيش وطني حقيقي يقتضي أيضاً مزج الوحدات والمقاتلين من مختلف المحافظات والمناطق داخل تشكيلات مشتركة، بحيث لا يصبح اللواء امتداداً لجغرافيا واحدة، ولا تتحول القوة العسكرية إلى انعكاس للانقسامات المناطقية والسياسية.
هذه العملية لا تعني إلغاء خصوصية المحافظات أو التاريخ القتالي للوحدات التي نشأت في ظروف الحرب، وإنما تعني نقل الولاء العسكري من التشكيل المحلي إلى المؤسسة الوطنية، ومن القائد المحلي إلى سلسلة القيادة العسكرية الرسمية.
فالجيش الوطني لا يقوم على تعدد الجيوش داخل الدولة، بل على مؤسسة واحدة، وقرار عسكري واحد، وعقيدة واحدة.
الحوثيون لا يواجهون المشكلة نفسها
تكتسب هذه المسألة أهمية أكبر عند مقارنة بنية القوات الحكومية ببنية جماعة الحوثيين.
فقد أظهرت المليشيات الحوثية خلال السنوات الماضية قدرة على الحفاظ على مركزية أعلى في القرار العملياتي، مع امتلاكها بنية عسكرية وأمنية متداخلة وقدرة على نقل القوة بين الجبهات، حيث تشير تقارير حديثة إلى أن الحوثيين استفادوا من خبرات متراكمة في استخدام الصواريخ والمسيّرات وإدارة العمليات، مع استمرار المؤشرات الدولية وإلاقليمية من الحرس الثوري لإيران من يقوم بتقديم الدعم العسكري والتقني لهم، وهي اتهامات تنفيها طهران أو تختلف بشأن تفاصيلها لكن المصادر المختلفة تؤكد اشتراك ايران في كل ما يحدث في اليمن.
والنقطة المهمة هنا ليست مقارنة أيديولوجية بين الطرفين، وإنما مقارنة في بنية اتخاذ القرار.
فالمركزية في القرار تمنح أي قوة عسكرية قدرة أكبر على المناورة العملياتية بين الجبهات، بينما يؤدي تعدد مراكز القرار إلى إبطاء الاستجابة، حتى عندما تكون الموارد البشرية والتسليحية متوافرة.
وهذا ما يجعل توحيد القوات المناهضة للحوثيين قضية تتجاوز التنظيم الإداري إلى صميم القدرة على خوض الحرب.
إذا لم يتم تدارك الموقف
الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في خسارة موقع عسكري هنا أو مديرية هناك، وإنما في تحول التراجع التكتيكي إلى واقع جغرافي جديد.
فإذا بقي الساحل الغربي تحت ضغط الحوثيين، ولم تتم استعادة المبادرة في المناطق الاستراتيجية، واستمر الضغط على محاور تعز، وأصبحت ميدي وحرض معزولتين عن منظومة عسكرية متماسكة، فإن خطوط المواجهة يمكن أن تصبح أكثر تعقيداً، وتصبح عملية استعادة الأرض لاحقاً أكثر كلفة.
ولهذا فإن القضية لا ينبغي أن تختزل في السؤال: من خسر المخا؟ أو من انسحب من هذا الموقع أو ذاك؟
السؤال الأعمق هو: لماذا لم تتحول القوات الموجودة على الأرض إلى قوة عسكرية واحدة قادرة على منع الانهيار وإدارة الانسحاب والاحتياط والإسناد وإعادة الانتشار بصورة منظمة؟
وهنا تحديداً تكمن قيمة النقاش الذي أثاره محمد جميح حول جذور التراجع في الساحل الغربي، بالتزامن مع أهمية النظر إلى ميدي وحرض وتعز باعتبارها أجزاء من مسرح عمليات أوسع، لا جبهات منفصلة.
استعادة الدولة تبدأ باستعادة وحدة القرار العسكري
إن المعركة مع الحوثيين ليست مجرد معركة على المخا أو تعز أو ميدي أو باب المندب، بل هي في جوهرها معركة على شكل الدولة اليمنية ومستقبل مؤسساتها.
ولهذا فإن أول خطوة في أي استراتيجية طويلة المدى لاستعادة الدولة تبدأ بإعادة بناء المؤسسة العسكرية على أساس وطني.
التحدي الحقيقي أمام مجلس القيادة الرئاسي والحكومة ووزارة الدفاع ليس تشكيل قوة جديدة فوق القوى الموجودة، وإنما تحويل القوى الموجودة إلى جيش واحد.
جيش لا يعرف فيه المقاتل لأي منطقة ينتمي زميله قبل أن يعرف أنه ينتمي إلى الجيش اليمني، ولا تكون فيه خطوط الإمداد خاضعة لحسابات منفصلة، ولا تتعدد فيه غرف القرار، ولا يستطيع تشكيل واحد أن ينسحب من جبهة استراتيجية من دون أن يكون ذلك جزءاً من قرار عملياتي شامل، وهذا يتطلب قراراً سياسياً وعسكرياً واضحاً بأن مرحلة التشكيلات التي فرضتها ظروف 2015 يجب أن تتحول إلى مرحلة جديدة عنوانها المؤسسة الوطنية.
فالساحل الغربي يحتاج إلى قيادة موحدة، وتعز تحتاج إلى تنسيق عملياتي متكامل، وميدي وحرض تحتاجان إلى عمق واستمرارية في الإسناد، وباب المندب والجزر الاستراتيجية تحتاج إلى رؤية وطنية تتجاوز حدود أي تشكيل منفرد.
إن استعادة المبادرة تبدأ من إعادة ترتيب البيت العسكري، ثم تحويل هذه الوحدة إلى قدرة عملياتية على الأرض، واستعادة المواقع تدريجياً، وتثبيت المكاسب، وحماية الجغرافيا المحررة، وصولاً إلى استعادة مؤسسات الدولة.
المخا كشفت أزمة القيادة والسيطرة، وميدي تكشف أهمية الجغرافيا الشمالية الغربية، وتعز تكشف ترابط الجبهات، وحرض تكشف البعد الحدودي، أما باب المندب والجزر فتضع المعركة اليمنية في قلب أمن الملاحة الإقليمية والدولية.
وفي نهاية المطاف، لا يمكن بناء قوة عسكرية وطنية فاعلة بمجموعة تشكيلات تعمل جنباً إلى جنب، وإنما بجيش واحد يعمل من خلال قرار عسكري واحد.
فالفارق بين تعدد القوات ووحدة الجيش ليس في عدد المقاتلين، وإنما في وحدة القيادة والعقيدة والهدف والقرار. وإذا كانت ظروف انهيار الدولة عام 2014م قد فرضت نشوء مقاومات متعددة، فإن تحديات عام 2026 تفرض إعادة بناء المؤسسة التي تستطيع استعادة الدولة: جيش وطني موحد، يضم أبناء اليمن من مختلف مناطقه، ويتحرك وفق عقيدة عسكرية واحدة، ويملك قراراً عملياتياً واحداً، وينتقل من رد الفعل إلى استعادة المبادرة، ومن إدارة الجبهات المتفرقة إلى إدارة معركة وطنية متكاملة لاستعادة الأرض والدولة.
أكاديمي ومحلل سياسي يمني