26 سبتمبر.. ذاكرة لا تموت في وجهه الإمامة

  • خاص خاص
  • منذ ساعة
  •    
26 سبتمبر.. ذاكرة لا تموت في وجهه الإمامة
استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي
مشاركة الخبر:

لم تكن الأجيال التي ولدت بعد ثورة السادس والعشرين من سبتمبر قادرة، على نحو كامل، على إدراك عظمة تلك اللحظة التاريخية. كيف لها أن تفعل؟ لقد ولدت في زمن لم تعرف فيه الإمامة إلا باعتبارها حكاية بعيدة، وصورا باهتة في كتب التاريخ، وأسماءً تنتمي إلى زمن ظن الناس أنه مضى إلى غير رجعة.
كان من الصعب على من لم يعش الإمامة أن يتخيل اليمن كما كان عليها.. بلدا محكوما بمنطق السلالة، ومجتمعا توزع فيه الحقوق بحسب النسب، وتغلق فيه أبواب المستقبل أمام الإنسان لمجرد أنه وُلد في المكان الخطأ، أو في البيت الخطأ.
جاء الإماميون الجدد (مليشيا الحوثي)  لا ليستعيدوا الإمامة من كتب التاريخ، بل لينبشوا قبرها، ويمسحوا عن وجهها غبار العقود، ثم يضعوها أمام جيل لم يعرفها إلا حكاية بعيدة؛ فإذا بها تعود حيّةً، بقسوتها القديمة، وبوجهها القديم الجديد الذي زاد قبحا.
بعد أكثر من ستة عقود، ما يزال السادس والعشرون من سبتمبر قادراً على إثارة الجدل والخوف والاحتفاء في آن واحد.
وهذه القدرة ليست دليلا على أن الثورة عالقة في الماضي، بل على أنها ما تزال حاضرة في صراع اليمنيين على معنى الدولة والحرية والمواطنة.
لقد أثبتت السنوات الأخيرة أن إسقاط نظام سياسي لا يعني بالضرورة القضاء على الأفكار التي أنتجته. فالأفكار يمكن أن تنتظر طويلا، ثم تعود عندما تضعف الدولة وتتراجع المؤسسات وتتسع الانقسامات.
لكن التاريخ نفسه يقول إن الشعوب قادرة أيضا على استعادة ذاكرتها.
ولعل هذا هو المعنى الأعمق لسبتمبر اليوم: أن الثورة ليست تمثالا في ميدان، ولا نشيدا يردد في مناسبة، ولا صورة قديمة في كتاب تاريخ. إنها فكرة قابلة للحياة كلما شعر الإنسان أن حريته مهددة، وأن كرامته تنتقص، وأن حقه في أن يكون مواطناً متساوياً مع غيره يجري مصادرته.
لم يدرك اليمنيون، في أي وقت مضى، عمقَ وأهمية ثورة 26 سبتمبر 1962 كما أدركوها اليوم ولم يتوحدوا خلف مبادئها وأهدافها ومشروعها، أو يقفوا إلى جانب المدافعين عنها، كما يفعلون الآن. فقد أعادت بقايا الإمامة إشهار سيوفها وخناجرها، وبدأت توجّه طعناتها إلى قلب اليمن الجمهوري، في محاولة يائسة لإحياء نموذج كهنوتي ظلامي، ينتمي إلى أكثر مراحل التاريخ اليمني تخلفاً وانغلاقاً.
تحل الذكرى الرابعة والستون لثورة السادس والعشرين من سبتمبر هذا العام، واليمن يواجه ظروفا تعيد إلى الأذهان كثيرا من الأسباب التي أشعلت شرارة الثورة الأولى. فقد عادت السلالية والطائفية بثوبها الأكثر قبحًا، وعادت معها مفردات التمييز الطبقي والمناطقي، ومنطق «السيد والعبد»، و«القنديل والزنبيل»، و«الأعلى والأسفل»، إلى جانب الفيد والنهب، والتضليل والتزييف، والاختطاف، وتكريس سلطة الفرد والسلالة على حساب الدولة والمواطنة.
إنه خطر لا يهدد حاضر اليمنيين وحده، بل يضع مستقبل البلاد والأجيال القادمة أمام امتحان بالغ الخطورة. ومن هنا، تبدو الحاجة اليوم أكثر إلحاحًا إلى استنفار كل القوى الوطنية الحرة للدفاع عن جوهر سبتمبر وقيمه، واستعادة المعنى الذي قامت من أجله الثورة: دولة يتساوى فيها اليمنيون، وتصان فيها كرامة الإنسان، ولا يكون فيها النسب أو السلالة معيارًا للحق أو المكانة أو السلطة.
ويبدو أن اليمنيين يدركون هذه الحقيقة أكثر من أي وقت مضى؛ إذ تتسع دائرة الالتفاف الشعبي حول أهداف ثورة سبتمبر، وتتجدد الرغبة في الدفاع عن قيمها باعتبارها مشروعًا وطنيًا جامعًا، لا مجرد ذكرى من الماضي. وهذا الإجماع المتنامي حول سبتمبر، في مواجهة محاولات إعادة إنتاج الإمامة، ليس سوى دليل جديد على عظمة الثورة وعمق حضورها في وجدان اليمنيين، وعلى أن المبادئ التي أشعلتها قبل أربعة وستين عامًا ما تزال قادرة على الصمود والدفاع عن حق اليمن في الدولة والحرية والمواطنة.
ومع اقتراب الذكرى الرابعة والستين لثورة سبتمبر المجيدة، يتجدد في مختلف أرجاء اليمن صوت الثورة الأم، وترتفع هتافات اليمنيين تمسكا بالجمهورية ورفضا للعودة إلى الماضي. وفي المقابل، تتكشف محاولات  الأئمة الجدد لإعادة إنتاج نموذج «أحمد يا جناه»، بعد أكثر من نصف قرن على إسقاط ذلك النظام والتحرر من قبضته.
وهكذا تبدو سبتمبر اليوم أكثر حضورا من أي وقت مضى؛ لا باعتبارها ذكرى من الماضي فحسب، بل باعتبارها مشروعا حيا يتجدد في وجدان اليمنيين كلما حاول الكهنوت أن يستعيد مكانه على حساب الجمهورية والحرية والكرامة.