إب.. من "خضرة الأمان" إلى مسرح للدم المباح

إب.. من "خضرة الأمان" إلى مسرح للدم المباح
استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي
مشاركة الخبر:

​لم تكن محافظة إب يوماً اعتادت على هذا الكم الهائل من القسوة والانحدار القيمي والأمني؛ فالمحافظة التي لُقبت طويلاً بـ"حاضنة السلام" و"لؤلؤة الجنة" تحولت خلال السنوات الاثنتي عشرة الماضية إلى مسرح مفتوح لجرائم مروعة تتساقط فيها أرواح الأبرياء، وكان آخرها الحادثة الصادمة التي أودت بحياة فتاة على يد والدها، في واقعة عرت حجم الانهيار النفسي والمجتمعي الذي تعيشه المحافظة.
​لا يمكن التعامل مع هذه الجريمة باعتبارها حالة فردية شاذة، بل هي امتداد طبيعي لبيئة من الفوضى، وغياب الردع القانوني، والانهيار المنهجي لمنظومة القيم تحت وطأة سلطة الأمر الواقع.

​ الجريمة الصادمة.. حين يتحول السند إلى جلاد
​شكّلت حادثة مقتل الفتاة على يد والدها في إب صدمة مدوية هزت الرأي العام المحلي، كاشفةً عن عمق التصدع الذي أصاب النسيج الأسري والإنساني. تفاصيل الحادثة وما سبقها من مؤشرات تؤكد أن غياب الأمان لم يعد مقتصراً على الطرقات أو الفضاء العام، بل تسلل إلى داخل الأسوار المقدسة للمنازل.
​إن هذه الجريمة تسلط الضوء على تصاعد العنف الأسري بشكل غير مسبوق في محافظة إب، مدفوعاً بضغوط اقتصادية خانقة، وحالة من التخبط النفسي العام، وغياب تام لمؤسسات الإرشاد والتوجيه والحماية الاجتماعية.

​ اثنا عشر عاماً من سيطرة مليشيا الحوثي.. بيئة خصبة للجريمة
​شهدت محافظة إب منذ مطلع سيطرة مليشيا الحوثي تحولات عميقة وممنهجة طالت كافة مناحي الحياة، وألقت بظلالها الكارثية على الوضع الأمني والمجتمعي، ويبرز ذلك في عدة محاور:
​انهيار المنظومة الأمنية والقضائية: تحولت الأجهزة الأمنية في إب من حامية للمواطن إلى أدوات لقمع المخالفين وتوظيف القضايا الجنائية سياسياً، بينما يعاني القضاء من شلل تام وعرقلة ممنهجة تعيق تحقيق العدالة الناجزة.
​تفشي السلاح وغياب الرادع: أدى انتشار السلاح الخفيف والمتوسط بأيدي عناصر نافذة ومسلحين خارج إطار الدولة إلى تسهيل ارتكاب الجرائم وتحويل الخلافات البسيطة إلى مآسٍ دموية مميتة.
​الخطاب المحرض وتجريف القيم: أسهم الخطاب الثقافي والتعبوي الذي تفرضه مليشيا الحوثي في تكريس ثقافة العنف، وتفكيك الروابط الأسرية والمجتمعية، وإضعاف دور الشخصيات الاجتماعية والعاقلين في رأفت الصدوع وحل الخلافات بالطرق التقليدية السلمية.

​إحصائيات ووقائع.. نزيف دموي مستمر للشباب والفتيات
​خلال العقد الأخير، سجلت محافظة إب أرقاماً مقلقة لجرائم القتل العمد، والسطو المسلح، والانتحار، والجرائم الأسرية التي طالت مئات الشبان والفتيات. تشير التقارير الحقوقية إلى أن غياب المساءلة جعل القتلة والمجرمين يسرحون ويمرحون دون خوف من قصاص أو عقاب.
​الشباب: دفع الآلاف من شباب إب ثمن الصراع أو سقطوا ضحايا لجرائم الثارات المفتعلة، أو نتيجة التفلت الأمني المستشري في المديريات.
​النساء والفتيات: تعرضت الفتيات لانتهاكات جسيمة شملت القتل داخل الأسر، وحالات الابتزاز الإلكتروني التي انتهت بندم مأساوي، فضلاً عن غياب أي دور لمراكز الإيواء أو حماية المعنفات.

نحو استعادة المجتمع وعافيته
​إن ما يحدث في محافظة إب اليوم ليس قدراً محتوماً، بل هو نتاج مباشر لواقع استبدادي وفوضى أمنية متعمقة. إن دماء الفتاة المغدورة وكل ضحايا العنف والفوضى تحتم على كافة الشرفاء والغيورين على هذه المحافظة ما يلي:
​إدانة مجتمعية شاملة: ضرورة توحيد الصفوف المجتمعية لرفض ثقافة العنف والتستر على الجريمة، مهما كانت صفة الجاني.
​إحياء دور الوجهاء والأعيان: إعادة الاعتبار للروابط القبلية والمجتمعية الإيجابية في تطويق الخلافات وحل النزاعات الأسرية قبل تفاقمها.
​التوثيق المستمر: مواصلة رصد وتوثيق كافة الانتهاكات والجرائم التي ترتكبها مليشيا الحوثي أو تلك الناتجة عن الفوضى الأمنية التي رعتها، تمهيداً لمحاسبة كل المتورطين عاجلاً أو آجلاً.
تُظهر التقارير الحقوقية والإحصاءات الصادرة عن رصد الانتهاكات في محافظة إب أرقاماً مقلقة تعكس حجم الفوضى الأمنية والانهيار المجتمعي تحت سيطرة مليشيا الحوثي خلال سنوات الحرب:  

​معدلات الجريمة العامة: تشير التقارير الميدانية إلى معدلات قياسية في الجريمة الجنائية، بلغت في فترات سابقة بمعدل جريمة تقريباً كل ثلاث ساعات تتنوع بين القتل، والشروع فيه، والسطو، والاعتداءات.

​أرقام الانتهاكات والجرائم 
وثقت المنظمات الحقوقية آلاف الجرائم والانتهاكات الجسيمة بحق المدنيين في محافظة إب وحدها؛ فخلال فترة زمنية متوسطة رصدت التقارير أكثر من 3,500 جريمة وانتهاك متنوع شملت مئات حالات القتل العمد، والجرائم الأسرية، واختطاف الآلاف من المدنيين بينهم نساء وأطفال.
​جرائم القتل والعنف الأسري: سُجلت مئات قضايا القتل الجنائي المباشر (بينها العشرات من جرائم القتل داخل الإطار الأسري وضد الفتيات والشباب) والتي قُيدت ضد مجهولين أو أُغلقت ملفاتها في ظل تعطل الأجهزة القضائية وغياب الردع القانوني الحقيقي.
​الانتهاكات المصاحبة: رافق هذا الانفلات تزايد مخيف في حالات الإكراه والسطو على ممتلكات المواطنين، وانتشار السلاح العشوائي الذي كان سبباً رئيسياً في تحويل الخلافات الشخصية والعائلية العابرة إلى جرائم قتل دموية

الخاتمة:
مفارقةٌ مُبكيةٌ مضحكةٌ حقاً؛ أن تتحولَ المحافظةُ التي أنجبتِ الشعرَ والفكرَ إلى حقلِ تجاربٍ فاشلٍ لرهطٍ لا يتقنون من فنونِ الإدارةِ سوى إحصاء المآسي، ولا من هندسةِ الحياةِ سوى بناء السجون ومدُّ الجوائع. يتباكون على الفضيلةِ في الخطبِ العصماءِ، بينما تُسفكُ دماءُ الأبرياءِ على أ عتابِ البيوتِ بدمٍ باردٍ وتبريراتٍ سمجةٍ تثيرُ الغثيان.
​فيا هذي الخضرةِ التي تُعصرُ دماً، ويا أيقونةَ السلامِ التي رُميت في بئرِ الأوهام؛ صبراً فليلُ الكهنةِ وإن طالَ سُجافه واستطالت عتماتُه، لابدَّ لصبحِ الحقيقةِ أن ينجلي، ولابدَّ لهؤلاءِ العابرين فوق جماجمِ الأبرياءِ أن يتبخروا كفقاعاتِ الصابونِ تحت شمسِ الوعي والعدالةِ التي لا تُفلحُ في قمعها طلقاتُ الرصاصِ ولا فتاوى تجريفِ العقول. فالتاريخُ لا يرحمُ من باعَ الأرضَ واشترى أوهامَ الولاية، وسيعلمُ الذين ظلموا أي منقلبٍ ينقلبون.